بقلم المهندس : نبيل إبراهيم حداد


تعيش الشعوب على تاريخها الماضي، أما الأردنيون فلا يكتفون باستلهام تاريخهم، بل يبنون عليه.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين أمة تكتفي بالتذكر، وأمة تواصل التقدم. فالأردن ليس وطناً يستخدم التاريخ مجرد مصدر للفخر أو الحنين إلى الماضي، بل هو وطن يحوّل التاريخ إلى ثقة، والثقة إلى عمل، والعمل إلى إنجاز وطني.
إن تاريخ الأردن عميق وغني ومحترم. فهو أرض الأنبياء والحضارات والإيمان والتضحية والصمود والكرامة الإنسانية. هو الأرض التي مرّت بها الطرق القديمة، وتركت فيها الرسالات السماوية آثارها، ووقفت عليها الجيوش، وتعلّم أهلها كيف يصمدون في ظروف صعبة بعزة وكرامة. غير أن قيمة الأردن لا تأتي فقط مما حدث على أرضه في الماضي، بل من الطريقة التي يواصل بها الأردنيون حمل هذا التاريخ إلى المستقبل.
لقد أظهر أداء الأردن في كأس العالم شيئاً أكبر من نتيجة رياضية. لقد أظهر شخصية شعب. أظهر أن لدى الأردنيين ما يكفي ليكونوا موضع احترام، ليس فقط بسبب ماضيهم، بل بسبب سلوكهم الحاضر، وانضباطهم، وشجاعتهم، واحترامهم لأنفسهم.
لقد خسروا المباريات، لكنهم حافظوا على كرامتهم.
في الرياضة، كما في الحياة، لا يُقاس النصر بلوحة النتائج وحدها. فهناك لحظات يخسر فيها الفريق مباراة، لكنه يكسب الاحترام. وهناك لحظات تكشف فيها الهزيمة قوة الأمة بصورة أوضح من الانتصار. لقد وقف لاعبو الأردن أمام العالم لا كسائحين في حدث عالمي، بل كممثلين لوطن فخور يعرف من هو.
لعبوا بشجاعة. قبلوا التحدي. حملوا العلم بشرف. ولم يسمحوا لضغط المناسبة، أو قوة الخصوم، أو خيبة النتائج، بأن تكسر روحهم. ولذلك كانت مشاركتهم ذات معنى.
فالاحترام يبدأ من الداخل. والأمم التي تحترم نفسها تفرض على الآخرين احترامها. وهذا ما أظهره الأردنيون بوضوح. لم ينتظروا الاعتراف من الآخرين حتى يؤمنوا بأنفسهم. دخلوا الساحة الدولية بكرامة شعب يعرف أن قيمته لا يقررها الآخرون. فالعالم يحترم من يحترم نفسه أولاً.
هذه هي الرسالة الأردنية.
الأردن بلد صغير في الجغرافيا، لكنه لم يكن يوماً صغيراً في المعنى. لقد حمل مسؤوليات أكبر من حجمه. وقف ثابتاً في إقليم مضطرب. وحافظ على الاستقرار عندما أحاط به عدم الاستقرار. واستقبل الملهوفين والنازحين، ودافع عن الاعتدال، وصان العيش المشترك، وبقي متمسكاً بالكرامة حتى في أصعب الظروف.
وهذه الشخصية الأردنية لا تظهر في ملاعب كرة القدم فقط، بل تظهر كلما نادت الإنسانية. فالأردنيون حاضرون دائماً لتقديم العون، ليس في الأردن وحده، بل في مختلف أنحاء العالم. وعندما تواجه الدول الكوارث أو الأزمات أو الصعوبات الإنسانية، يكون الأردن غالباً من أوائل من يتحركون، لا بالكلام والشعارات، بل بالفعل والعمل.
لقد قدّم الزلزال الأخير في فنزويلا مثالاً آخر على هذه الروح الأردنية. فقد أرسل الأردن فرق بحث وإنقاذ وفرقاً طبية لدعم جهود الإغاثة الدولية بعد الزلازل المدمرة التي ضربت فنزويلا. وضمّ فريق البحث والإنقاذ الأردني الدولي، العامل ضمن جهاز الدفاع المدني، نحو مئة من الكوادر المتخصصة المجهزة لأعمال البحث والإنقاذ والدعم الميداني.
وفي فنزويلا، أصبح أداء الفريق الأردني جزءاً من القصة الإنسانية للكارثة. فقد ورد أن الفريق تمكن من إنقاذ طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات من تحت الأنقاض في كاراكاس بعد ستة أيام من الزلزال، باستخدام معدات متخصصة ومتابعة دقيقة للمؤشرات الحيوية للطفل. كما واصل الفريق عملياته الميدانية، بما في ذلك انتشال الضحايا من المباني المنهارة، بالتنسيق مع السلطات الفنزويلية وضمن جهود الإغاثة الدولية الأوسع.
ولهذا تحدث الناس في فنزويلا عن فريق الإنقاذ الأردني بالتقدير والامتنان. فقد رأوا في الأردن ليس مجرد بلد بعيد، بل وطناً حضر عندما كانت الحاجة إليه قائمة. رأوا الزي الأردني تحت الركام، يعمل في الخطر، وينقذ الأرواح، ويمنح الأمل. مثل هذه اللحظات تشرح الأردن أكثر مما تفعله أي شعارات.
إن كرامة الأردن ليست كرامة ساكنة، بل كرامة فاعلة. إنها كرامة الجندي، ورجل الإنقاذ، والطبيب، والمهندس، والمتطوع، والرياضي، والمواطن العادي الذي يدرك أن الاحترام يُكتسب بالخدمة والانضباط والسلوك الأخلاقي.
لذلك ينبغي فهم أداء الأردن في كأس العالم باعتباره جزءاً من قصة وطنية أوسع. فهو ليس عن كرة القدم وحدها. إنه عن الثقة. عن صورة الشباب الأردني. عن الانضباط، والاستعداد، والطموح، والإيمان بأن الأردن قادر على المشاركة والمنافسة والحضور.
والدرس واضح: على الأردن أن يواصل البناء.
علينا أن نبني على الروح التي أظهرها المنتخب الوطني. أن نبني مؤسسات رياضية أفضل، وبرامج شبابية أقوى، وأنظمة تدريب أكثر مهنية، وثقافة وطنية تكافئ الانضباط والجهد والاستعداد طويل المدى. فالموهبة وحدها لا تكفي. والفخر وحده لا يكفي. والتاريخ وحده لا يكفي. المهم هو تحويل ذلك كله إلى تقدم وطني منظم.
إن ماضي الأردن يمنحه الجذور، لكن مستقبله يحتاج إلى العمل. التاريخ يمنح الهوية، لكن الأداء يمنح المصداقية. الكرامة تمنح الاحترام، لكن الاستعداد يمنح النتائج. ويجب أن تصبح تجربة الأردن في كأس العالم دعوة وطنية للانتقال من الفخر العاطفي إلى الإنجاز المنظم.
لقد قام اللاعبون بدورهم. مثلوا الأردن بشرف. أما الآن، فإن المسؤولية الأوسع تقع على المؤسسات والمدارس والأندية والأسر والإعلام وصنّاع القرار. فالكرامة التي ظهرت على أرض الملعب يجب أن تقابلها خطط خارج الملعب. والشجاعة التي أظهرها اللاعبون يجب أن تقابلها استثمارات وطنية في الشباب، والرياضة، والتعليم، والفرص.
لا يحتاج الأردن إلى المبالغة في إنجازاته لكي يكون محترماً. إنه يحتاج فقط إلى أن يواصل تقديم نفسه بصدق وكرامة وثقة واستعداد للخدمة. قد يتذكر العالم من فاز ومن خسر، لكنه يتذكر أيضاً الشخصية. يتذكر الفرق التي صمدت. ويتذكر المنقذين الذين جاءوا من بعيد. ويتذكر الأمم التي حملت نفسها بفخر، ومدّت يدها للآخرين عندما احتاجوا إليها.
لقد أثبتت رحلة الأردن في كأس العالم أن الهزيمة لا تعني الإهانة. وخسارة مباراة لا تعني خسارة وطن. والنتيجة الصعبة لا تلغي الكرامة. بل على العكس، فإن الكرامة في الهزيمة يمكن أن تصبح أساساً لانتصار قادم.
ولهذا يجب أن يفخر الأردنيون.
ليس لأن النتائج كانت مثالية، بل لأن السلوك كان مشرفاً. وليس لأن الرحلة انتهت بانتصار، بل لأنها كشفت عن وطن يعرف كيف يقف. وليس لأن العالم اكتشف الأردن فجأة، بل لأن الأردن ذكّر العالم بأن الاحترام لمن يحملون أنفسهم بكرامة ويمدون أيديهم للآخرين.
تعيش الشعوب على تاريخها الماضي. أما الأردنيون فيفعلون أكثر من ذلك. إنهم يبنون عليه.
لقد خسروا المباريات، لكنهم حافظوا على كرامتهم. وبحفاظهم على كرامتهم، وباستعدادهم للوقوف إلى جانب الآخرين حيثما ينادي الواجب، حققوا ما لا تستطيع أي لوحة نتائج أن تقيسه كاملاً: احترامهم لأنفسهم، واحترام العالم لهم.