شهدت الساحة التشريعية في مصر تحولا لافتا بعد موافقة البرلمان على قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، حيث يهدف هذا التحرك إلى منح الجهاز دورا محوريا في إدارة المشروعات القومية الكبرى بعيدا عن الأطر التقليدية. ويأتي هذا التشريع الجديد ليضع خارطة طريق واضحة لصلاحيات الجهاز بعد نقل تبعيته المباشرة لرئاسة الجمهورية، مما يمنحه مرونة إدارية وقدرة أكبر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية في مجالات التنمية الشاملة.
واكدت المناقشات البرلمانية أن القانون الجديد يسعى إلى تحويل الجهاز إلى حاضنة أعمال ضخمة قادرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وذلك من خلال تأسيس شركات والمساهمة في مشروعات حيوية تتجاوز نطاق الزراعة لتشمل الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية. وبينت الحكومة أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو سد الفجوة الغذائية وتقليل الاعتماد على الاستيراد عبر استصلاح ملايين الأفدنة واستخدام تقنيات الزراعة الحديثة.
واضاف المسؤولون عن الملف أن التشريع تضمن إنشاء صناديق سيادية وخدمية تابعة للجهاز، مثل صندوق أهرامات النيل وصندوق داعم، مما يعزز من أدواته في إدارة الأصول وتمويل البرامج الاجتماعية. وشدد البرلمانيون على أن هذه الصناديق ستعمل وفق معايير اقتصادية تضمن كفاءة الإنفاق وتحقيق عوائد ملموسة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني بشكل مباشر ومستدام.
ابعاد اقتصادية ورقابية جديدة
واوضح الخبراء الاقتصاديون أن الجهاز سيخضع لمنظومة رقابية صارمة تشمل الجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة البرلمانية، وذلك لضمان الحوكمة والشفافية في كافة معاملاته المالية. واكدوا أن التعديلات التي أجريت على القانون شملت إلزام الجهاز بسداد كافة الضرائب المستحقة وتوريد فوائض مالية للخزانة العامة للدولة، مما ينهي الجدل حول الاستثناءات المالية التي كانت تثير مخاوف بعض النواب.
وبينت التعديلات البرلمانية أن نطاق عمل الجهاز في القطاع العقاري أصبح مقصورا على الأراضي المملوكة له فقط، مع حفظ حقوق التقاضي للغير، وهو ما يعكس استجابة الحكومة لمطالب تعزيز الحياد التنافسي في السوق. واشار النواب إلى أن حوالي 80 بالمئة من بنود القانون خضعت للمراجعة الدقيقة لضمان عدم تداخل الاختصاصات مع وزارات أخرى وتجنب الممارسات الاحتكارية.
واكد المدير التنفيذي للجهاز بهاء الغنام أن المرحلة القادمة ستشهد تعاونا وثيقا مع القطاع الخاص، حيث سيتم فتح الأبواب أمام المستثمرين لإدارة وتشغيل الأراضي والمصانع التي يشرف عليها الجهاز. وشدد على أن نجاح هذه التجربة يعتمد بشكل أساسي على مدى القدرة على تقديم أسعار تنافسية للمنتجات الاستراتيجية مثل القمح والذرة، مما يسهم في تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين.
مستقبل التنمية المستدامة في مصر
واشار المختصون إلى أن الجهاز يمثل ذراعا تنفيذيا قويا لدعم الأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات العالمية التي تتطلب إدارة محترفة لسلاسل الإمداد. واضافوا أن التوسع في الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي يكمل منظومة العمل الزراعي، مما يجعل من جهاز مستقبل مصر لاعبا رئيسيا في تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع الأساسية.
وبينت الرؤية المستقبلية للجهاز أن التحول نحو التكنولوجيا الزراعية الدقيقة وتدوير مخلفات الطاقة سيعزز من القيمة المضافة للمشروعات، مما يدعم التوجه نحو التصدير بعد تلبية احتياجات السوق المحلي. واكدت التقارير أن الجهاز يخطط لإنشاء مناطق صناعية متكاملة تربط بين الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي، مما يساهم في خلق فرص عمل جديدة للشباب ودفع عجلة النمو الاقتصادي.
واختتمت النقاشات بالتأكيد على أن تقييم أداء جهاز مستقبل مصر في الفترة المقبلة لن يتوقف فقط عند الصلاحيات القانونية الممنوحة له، بل سيقاس بمدى التزامه بمعايير الشفافية ونجاحه في تحويل الأصول إلى مشروعات منتجة. واضاف المهتمون بالشأن العام أن استمرار الرقابة الشعبية والبرلمانية سيكون الضمان الأكبر لتحقيق الأهداف التنموية المرجوة من هذا الكيان الاقتصادي الطموح.
