تخيم اجواء الحرب على ملامح مدينة النبطية في جنوب لبنان، حيث تظهر واجهات المحال التجارية مغلقة واثار الدمار بادية على الجدران، بينما يحاول التجار المتبقون اعادة ترتيب حياتهم وسط ظروف امنية غير مستقرة. تتباين خيارات السكان في هذه المدينة التي كانت مركزا تجاريا حيويا، فبينما يصر البعض على البقاء والتمسك بمصدر رزقهم وتاريخهم المهني، يضطر آخرون الى الرحيل بحثا عن ملاذ اكثر امنا بعيدا عن مخاطر القصف المستمر.

واظهرت جولات الميدان ان مشهد السوق يعكس حالة من الترقب والقلق، حيث يقف اصحاب المهن يراقبون حركة المارة القليلة ويحسبون احتمالات يوم جديد قد لا يكتمل. واوضح التجار ان البقاء في المدينة اصبح مغامرة تهدد سنوات طويلة من الكفاح المهني، مما جعل الشارع الواحد يجمع بين قصص متناقضة لرجال رسمت الحرب لكل واحد منهم طريقا مختلفا.

واكد الباعة انهم يعيشون حالة من عدم اليقين، اذ يضطرون لفتح ابواب محالهم مع كل هدنة مؤقتة، لكن سرعان ما تتبدد هذه المحاولات مع تجدد التوترات الامنية. واضافوا ان الخسائر المادية تتراكم مع كل عملية نزوح، حيث يضطرون لترك بضائعهم خلفهم، مما يحول مصدر الرزق الى عبء مالي يضاف الى اعباء الحرب النفسية والاجتماعية.

واقع مرير يفرض خيارات صعبة

وبين ابو محمد، وهو احد تجار المدينة، انه حاول العودة الى متجره عدة مرات خلال فترات الهدوء، لكنه في كل مرة كان يواجه واقعا مؤلما يضطره للاغلاق والمغادرة مجددا. واشار الى ان خسارته لا تقتصر على المال فحسب، بل تمتد لكونه لا يستطيع العيش بعيدا عن مدينته التي امضى فيها ربع قرن من عمره، مؤكدا ان البقاء في النبطية يمثل بالنسبة له ارتباطا وجدانيا يتجاوز حسابات الربح والخسارة.

وكشفت تجربة التاجر سهيل ياسين عن جانب اخر من المعاناة، حيث قرر نقل نشاطه التجاري الى بيروت بعدما ادرك ان البقاء في النبطية اصبح مستحيلا. واوضح ياسين انه لم يغادر بحثا عن فرص جديدة، بل لحماية ما تبقى من راس ماله من الضياع، مشددا على ان قراره كان صعبا للغاية خاصة مع مسؤوليته تجاه سبعة شبان كانوا يعملون معه ووجدوا انفسهم امام مستقبل مجهول.

وذكرت تقارير اقتصادية ان ما يمر به تجار النبطية ليس حالة فردية، بل هو انعكاس لازمة اوسع طالت القطاع الخاص في لبنان. واضافت ان البيانات تظهر تضرر سبل العيش بشكل كبير، حيث فقدت نسبة كبيرة من العمال وظائفهم، مما يجعل من استعادة الحياة التجارية في الجنوب تحديا يرتبط بقدرة الاهالي على استعادة الثقة بمستقبل آمن.

ارقام تعكس حجم الازمة الاقتصادية

وبينت الاحصائيات ان محافظة النبطية سجلت اعلى معدلات فقدان للوظائف في البلاد نتيجة التوترات الاخيرة. واكد الخبراء ان نسبة البطالة ارتفعت بشكل ملحوظ، مما دفع الكثيرين للخروج من سوق العمل بشكل نهائي، مشيرين الى ان حجم الدمار الاقتصادي يتجاوز مجرد اغلاق المحال الى انهيار كامل في سلاسل الامداد وتراجع حاد في متوسط دخل الفرد.

واوضحت المعطيات الميدانية ان العودة الى الحياة الطبيعية لا تزال معلقة على الاستقرار الامني، حيث تظل الابواب نصف مفتوحة بانتظار تبدل الظروف. واضاف المراقبون ان المدينة ما زالت تحاول استعادة نبضها رغم كل الصعاب، حيث يظل الرزق معلقا بين الرغبة في الصمود وبين الواقع الذي تفرضه الحرب على يوميات السكان.

واكد التجار ان استمرارهم في العمل يتوقف بشكل اساسي على توقف القصف، فكل ضربة جديدة تعيد المدينة الى دائرة الخوف والنزوح الجماعي. واختتموا حديثهم بانهم يواصلون حساب الخسائر والارباح بدقة، مؤكدين انهم رغم كل المخاطر لا يزالون يترقبون لحظة تسمح لهم باعادة بناء ما تهدم من احلامهم ومصالحهم التجارية.