كتب : عوني الرجوب
فلاح من الصريح  اربدي اللون حوراني
 

مرّ عام على رحيل كرفاني… عام كامل مضى منذ ذلك اليوم الذي تحوّل فيه المكان الذي أحببته إلى رماد، لكن الذكريات لم تحترق، فما زالت حاضرة في القلب بكل تفاصيلها.

قد يراه البعض مجرد كرفان، لكنني كنت أراه أكثر من ذلك بكثير… كان صديقي وأنيسي وموعدي مع الراحة والهدوء.

أنا أسكن في عمّان، ولم أنسى كرفاني
، بل كان ملاذي الجميل في مزرعتي بعجلون. كنت أذهب إليه كلما سنحت لي الفرصة، أقضي فيه يومين أو ثلاثة أبتعد فيها عن ضجيج المدينة، وأجد راحتي بين الأرض والطبيعة والهواء النقي.

كنت أنتظر أيام العطل لحظة بلحظة حتى أصل إلى مزرعتي، وكأنني ذاهب إلى موعد مع السعادة والهدوء. هناك، بين الأشجار والتراب ونسمات عجلون، كنت أشعر أنني أعود إلى نفسي من جديد.

كان الكرفان عالمي الصغير الذي أحببته. فيه قضيت أجمل الأوقات مع أسرتي في ايام ًالعطل ، وفيه صنعت ذكريات لا تُنسى. لم يكن مجرد مكان للنوم، بل كان مساحة للسكينة والفرح واللقاءات الجميلة.

كان غرفتين وحمامًا ومطبخًا، لكنه بالنسبة لي كان أكبر من مساحته بكثير؛ لأن قيمة الأماكن ليست بحجمها، بل بما تتركه في القلب من أثر.

كنت قادرًا أن أبني بيتًا ريفيًا صغيرًا بدل الكرفان، لكنني فضّلت أن يبقى كما هو، ليكون مكانًا لحارس المزرعة الذي يعمل فيها ويحرس ورشة البناء، وليبقى لي فيه ركن خاص أحبه وأجد فيه راحتي.

واليوم، ولله الحمد، أنا في المراحل الأخيرة من بناء الفيلا في المزرعة، وستكتمل بإذن الله خلال هذا العام، لكنها مهما كانت جميلة وفخمة لن تمحو من قلبي قصة الكرفان.

فبعض الأماكن لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بالذكريات التي ارتبطت بها.

لن أنسى ليالي الشتاء داخل الكرفان، عندما كانت صوبة الحطب تملأ المكان دفئًا، وصوت المطر يطرق السقف، والرعد والبرق يزينان سماء عجلون.

كانت تلك اللحظات من أجمل ما عرفت. كنت أتابع جمال الطبيعة من قلب الحدث، حتى إنني كنت أشارك الأرصاد الجوية حالة الطقس بالصوت والصورة من قلب المزرعة، بين الأمطار الغزيرة والعواصف الشتوية الجميلة.

كانت صوبة الحطب هي الشيء الوحيد الذي بقي من محتويات الكرفان بعد الحريق، وكأنها بقيت شاهدة على أيام جميلة لن تعود.

ولعل البعض كان يستغرب ارتباطي بهذا المكان، ويقول: لماذا تذهب إلى كرفان وتترك بيتك في عمّان؟

وكان جوابي دائمًا: لأن الإنسان لا يبحث فقط عن المكان الأكبر، بل عن المكان الذي يمنحه الراحة.

أنا أحب عيشة البساطة، ومرح الفلاحين وشعر البداوه، والقرب من الأرض. فأنا ابن الصريح، ابن البيادر والسهول، أحمل في داخلي حب التراب والطبيعة.

أحب أن أنام على الأرض والحجر، وأن أعيش بعيدًا عن التكلف والمظاهر، فالبساطة بالنسبة لي ليست نقصًا، بل هي راحة وطمأنينة وانتماء.
ازرع الارض وأرعى الغنم  خير من الدنيا وما فيها

اعيش في عمّان منذ مايقارب نصف قرن، ولي فيها حياة وذكريات ومسيرة طويلة، لكنها مهما ازدحمت بالأبنية والناس، بقي في داخلي حنين دائم إلى الأرض، إلى رائحة التراب، وإلى هواء الصباح، وإلى حياة الفلاحين التي تمنح الإنسان راحة لا تُشترى.

لم أنسَ يومًا بيادر الصريح، ولا نسمات هوائها، ولا سهولها، ولا الحي والمكان الذي ولدت فيه.

كنت أحلم أن يكون لي قطعة ارض صغيره في جبال عجلون، ، فأنعم الله عليّ بجبل مزروع  من كل الأشجار من الزيتون الى اللوزيات ، تراب وشجر وماء وزرع، ومكان أجد فيه نفسي.

لكنني لم أكن أعلم أن أجمل ذكرياتي مع ذلك المكان ستصل إلى لحظة اختبار قاسية

في ذلك اليوم، لم أكن أعلم أن موعد الفرح سيصبح ذكرى لا تفارقني.

كان يوم جمعة جميلًا، وقد استقبلت ضيوفًا أعزاء من جنوب المملكة مع عائلاتهم، وكعادتي وكعادة أهل الأردن كانت الضيافة من القلب.

أعددت لهم الغداء، واجتمعنا في أجواء ربيعية جميلة، بين المحبة والحديث الطيب وجمال الطبيعة. كانت المناقل مشتعلة، والضحكات تملأ المكان، وكل شيء يوحي بأننا نعيش لحظة من أجمل اللحظات.

لكن الإنسان لا يعلم ما تخبئه له اللحظات.

اشتعلت النار في الكرفان، وخلال دقائق قليلة انتهى كل شيء.

تحول ذلك المكان الذي حمل أجمل الذكريات إلى رماد، ولم يبقَ منه إلا القاعدة وبعض الآثار، وبقيت صوبة الحطب الوحيدة من بين محتوياته وكأنها شاهد على أيام مضت.

احترقت أشياء ثمينة كانت بداخله، واحترق هاتفي الآيفون وبعض المقتنيات التي كانت ترافقني، لكن كل ذلك لم يكن يعني أمامي شيئًا مقارنة بنعمة واحدة عظيمة…

أن ابنتي خرجت سالمة.
كانت ابنتي داخل الكرفان تصلي، وبعد أن أنهت صلاتها وأرادت الخروج، نادت بصوتها:

“بابا… بابا… النار في سقف الكرفان!”

خرجت بسلام بفضل الله، وكانت تلك أعظم رسالة في ذلك اليوم.

فكل شيء يُعوّض، وكل شيء يمكن أن يُشترى من جديد، إلا سلامة الإنسان.

حمدت الله على لطفه ورعايته، ورضيت بقضائه، لكن بقي في القلب حزن على كرفاني.

ليس حزنًا على الحديد والخشب، ولا على ما كان بداخله من ممتلكات، بل حزن على مكان ارتبط بسنوات من الذكريات الجميلة.

فقد كان يحمل ضحكات أسرتي، ودفء ليالي الشتاء، ورائحة الحطب، وصوت المطر، ولحظات هدوء لا تُنسى.

وربما يسأل البعض:
لماذا كل هذا الوفاء لمكان صغير؟

والجواب أن الإنسان لا يتعلق بالحجارة أو الحديد، بل يتعلق بالأيام التي عاشها، والوجوه التي شاركته المكان، واللحظات التي لا تعود.

هناك أماكن لا تكون قيمتها في مساحتها ولا في ثمنها، بل في المشاعر التي تركتها داخلنا.

واليوم، وأنا في المراحل الأخيرة من بناء الفيلا في المزرعة، والتي ستكتمل بإذن الله، أدرك أنني أبني بيتًا جميلًا، لكن قصة الكرفان ستبقى قصة مختلفة.

فالبيوت تُبنى بالحجارة، أما الذكريات فتُبنى بالمواقف.

وأنا قادر، ولله الحمد، أن أشتري كرفانًا جديدًا، لكنني أعلم أنني لن أحنّ إليه كما حننت إلى كرفاني الأول، ولن أشعر نحوه بما شعرت تجاه ذلك المكان الذي ارتبطت به روحي.ها

فالأشياء لا تصبح غالية بسبب ثمنها، بل بسبب القصص التي نعيشها معها.

وكرفاني كان له قصة عشق جميلة، ومشوار طويل بدأ بحلم صغير، حتى أصبحت أقول:

كرفاني في مزرعتي… ولا كل الكرفانات.

لم يكن الكرفان قصرًا، لكنه منحني من الراحة والسكينة ما لا تمنحه القصور.

فقد كنت أجد فيه صفاء النفس، وهدوء القلب، وقرب الإنسان من الأرض والطبيعة.

أحسدوني… كرفان.

أحسدوني على مكان صغير منحني سعادة كبيرة، وعلى أيام جميلة قضيتها فيه مع أهلي وأحبتي، رغم أن زيارتي له كانت أيامًا معدودة، لكنها تركت في نفسي أثرًا لا يُنسى.

أحسدوني على فنجان قهوة بين الأشجار، وعلى صوت المطر فوق السقف، وعلى دفء صوبة الحطب في ليالي الشتاء، وعلى لحظات بسيطة كانت عندي أغلى من كثير من الأشياء.

لقد فقدت كرفاني…

لكنني لم أفقد ذكرياتي معه.

رحل المكان، وبقيت الحكاية.

فبعض الأماكن لا نسكنها طويلًا…

لكنها تسكننا إلى الأبدً