تجاوز الدين العام الامريكي حاجز الـ 40 تريليون دولار، وهو رقم ضخم يثير قلق المحللين حول مستقبل اكبر اقتصاد في العالم وقدرته على الاستمرار في تحمل هذا العبء المالي المتزايد. يرى خبراء ان هذا الواقع ليس وليد اللحظة بل هو نتاج تراكمي لعقود من الانفاق الحكومي المكثف، والحروب الخارجية، والسياسات الضريبية التي وسعت الفجوة بين الايرادات والمصروفات بشكل مستمر.
واوضحت البيانات الاقتصادية ان التحول نحو العجز بدأ منذ سنوات طويلة، حيث انتقلت الميزانية من حالة الفائض الى الاقتراض الواسع لتمويل العمليات العسكرية، ثم جاءت الازمات المالية العالمية لتزيد من حدة الازمة وتدفع واشنطن نحو الاقتراض الاضافي لانقاذ النظام المالي من الانهيار الكامل.
واكدت الدراسات ان جائحة كورونا وما تبعها من برامج دعم ضخمة، الى جانب التحديات الديموغرافية المتمثلة في شيخوخة السكان، ساهمت بشكل مباشر في رفع سقف الديون الى مستويات غير مسبوقة، مما جعل الانفاق على الرعاية الاجتماعية والتقاعد يشكل ضغطا اضافيا على الميزانية العامة للدولة.
حقيقة الديون الامريكية وتوزيعها
وبينت التقارير ان الاعتقاد السائد بأن ديون امريكا مملوكة بالكامل لجهات خارجية هو تصور غير دقيق، اذ ان جزءا كبيرا من هذه الاموال مستحق لمستثمرين ومؤسسات داخلية، بينما يمثل المتبقي التزامات داخلية بين اجهزة الحكومة الامريكية نفسها، مما يغير من طبيعة التحدي الاقتصادي المطروح.
واشارت التحليلات الى ان المسؤولية السياسية عن هذا التراكم تتوزع على ادارات متعاقبة، حيث شهدت فترات حكم رؤساء مختلفين قفزات كبيرة في حجم الدين، مما يعكس نهجا سياسيا يعتمد على الانفاق الموسع دون وجود موارد كافية لتغطية العجز المتنامي.
وكشفت التقديرات ان قوة الاقتصاد الامريكي وهيمنة الدولار عالميا تمنح واشنطن قدرة استثنائية على ادارة هذه الديون، الا ان المشكلة الحقيقية تكمن في ارتفاع تكلفة خدمة الدين، حيث تؤدي فوائد سندات الخزانة المرتفعة الى زيادة الاعباء المالية على الحكومة والمواطن على حد سواء.
تداعيات الفوائد وسقف الاقتراض
وذكر مختصون ان ارتفاع عوائد السندات لا يتوقف عند حدود المؤسسات المالية، بل يمتد تأثيره ليطال المواطن العادي من خلال ارتفاع فوائد القروض العقارية، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، مما يزيد من تكاليف المعيشة ويقلص القوة الشرائية للافراد.
واضاف المحللون ان الخلافات السياسية حول رفع سقف الدين في الكونغرس تشكل خطرا موازيا، حيث ان اي تعثر في الوفاء بالالتزامات المالية نتيجة تجاذبات سياسية قد يؤدي الى زعزعة الثقة في الاقتصاد الامريكي ويهدد استقرار الاسواق المالية العالمية.
وبينت الرؤية المستقبلية ان السؤال الاهم الذي يواجه صناع القرار ليس احتمالية اعلان الافلاس بشكل مباشر، بل مدى قدرة الاقتصاد على مواصلة الاقتراض دون ان يصبح الدين وفوائده عائقا امام الاستثمار العام، مما يفرض على واشنطن البحث عن حلول جذرية توازن بين الانفاق والضرائب لتجنب سيناريوهات اقتصادية صعبة.
