تتجه الانظار في العراق نحو حلول اقتصادية غير تقليدية لمواجهة الضغوط المالية المتراكمة على الموازنة العامة، حيث برزت مقترحات تهدف الى تسييل بعض اصول الدولة وتفعيل نظام الاجازات الطويلة للموظفين كادوات لادارة السيولة وتخفيف الاعباء التشغيلية عن كاهل المؤسسات الحكومية. وتثير هذه التوجهات تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه الاجراءات على تحقيق استدامة مالية حقيقية ام انها مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج جذور الخلل الاقتصادي المزمن.
واكد خبراء اقتصاديون ان خطة بيع اموال الدولة تتطلب عمليات معقدة تبدا بحصر الممتلكات وتقييمها بشكل دقيق قبل طرحها للبيع عبر مزايدات علنية، مشيرين الى ان هذا المسار لا يعد حلا سريعا للازمات المالية الطارئة نظرا لكونه يتطلب وقتا طويلا لاستكمال المتطلبات القانونية والادارية اللازمة لضمان عدم ضياع حقوق الخزينة العامة.
وحذر مختصون من ان التسرع في التخلص من الاصول العامة لتغطية عجز مالي قصير الاجل قد يؤدي الى حرمان الدولة من موارد استراتيجية قابلة للاستثمار، موضحين ان الازمات المتكررة تستوجب التوجه نحو بناء احتياطيات مالية مستدامة بدلا من استنزاف الاصول التي تمثل عماد الثروة الوطنية في البلاد.
التحديات القانونية والادارية لبيع املاك الدولة
وبين قانونيون ان التشريعات العراقية تضع اطر صارمة للتعامل مع الاموال المنقولة وغير المنقولة التابعة للدولة، موضحين ان العملية تخضع للجان جرد متخصصة ومزايدات علنية لضمان الشفافية والعدالة في البيع. واضافوا ان هناك مخاوف حقيقية من بيع هذه العقارات والمصانع باقل من قيمتها السوقية الحقيقية، مما يسبب خسائر جسيمة للاقتصاد الوطني ويقلل من جدوى هذه الخطوة في دعم التوازن المالي.
واشار مراقبون الى ان ملفات سابقة شهدت فجوات كبيرة بين القيمة التقديرية للاصول وبين اسعار بيعها الفعلية، مما يفرض ضرورة تشديد الرقابة على عمليات التقييم والبيع. وشددوا على ان مجلس الوزراء يمتلك صلاحيات استثنائية في حالات الضرورة القصوى، لكن هذه الصلاحيات يجب ان تستخدم بحذر لتجنب الهدر في المال العام.
وكشفت نقاشات برلمانية عن توجه لتشريع قانون يمنح موظفي القطاع العام اجازة طويلة تصل الى خمس سنوات، وهي خطوة تهدف الى تقليص النفقات التشغيلية للدولة. واوضحت الدراسات الاقتصادية ان نجاح هذا المقترح يرتبط بشكل وثيق بمدى قدرة القطاع الخاص على استيعاب هذه القوى العاملة وتوفير بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة.
مخاطر الاجازات الطويلة على كفاءة القطاع العام
واوضح خبراء في الاقتصاد ان منح الموظفين اجازات طويلة قد يفرض تحديات مستقبلية تتعلق بضرورة اعادة تأهيلهم عند العودة لمواكبة التطورات التقنية والمهنية. واضافوا ان هذا التحدي يبرز بشكل اوضح في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصناعة والعلوم التي تتطلب متابعة مستمرة للمتغيرات العالمية لضمان الحفاظ على كفاءة الاداء والانتاجية.
وذكر مختصون ان غياب الشروط المناسبة في سوق العمل قد يحول هذه الاجازات من فرصة لاعادة توزيع القوى العاملة الى عبء اضافي يثقل كاهل الاقتصاد. واكدوا على ان الحل الامثل يكمن في اصلاحات هيكلية شاملة تشمل تنويع الايرادات وتحسين كفاءة المؤسسات الحكومية بدلا من الاعتماد على حلول قد تؤثر سلبا على استقرار القوى العاملة في المستقبل.
واختتم المحللون بالاشارة الى ان العراق يحتاج الى استراتيجية شاملة تحمي المال العام وتدعم القطاع الخاص ليكون شريكا حقيقيا في التنمية. واشاروا الى ان التوازن بين بيع الاصول وترشيد الانفاق يجب ان يصب في مصلحة بناء اقتصاد وطني صلب وقادر على مواجهة الصدمات بعيدا عن الحلول الوقتية التي لا تقدم حلولا جذرية للازمات المالية.
