تشهد الساحة السياسية في كندا انقساما حادا في ظل التوترات التجارية المتصاعدة مع الولايات المتحدة، حيث اختارت مقاطعة ألبرتا المسار المعاكس لتوجهات الحكومة الفدرالية. وبينما اصطفت معظم المقاطعات خلف رئيس الوزراء الكندي في مواجهة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، فضلت رئيسة حكومة ألبرتا دانييل سميث التحذير من مغبة التصعيد، داعية إلى إعطاء الأولوية للمفاوضات بدلا من الصدام المباشر الذي قد يكلف المقاطعة خسائر فادحة.

وكشفت بيانات قطاع الطاقة أن ألبرتا ليست مجرد مقاطعة عادية، بل هي المحرك الرئيسي لصناعة النفط في كندا، حيث تساهم بنحو 91% من إجمالي صادرات الخام الكندية. وأظهرت الأرقام أن اعتماد ألبرتا على السوق الأمريكية شبه كلي، مما يجعل اقتصادها رهينة للقرارات السياسية في واشنطن، وهو ما يفسر حرص سميث الشديد على تجنب أي مواجهة قد تغلق أبواب المصافي الأمريكية أمام النفط الكندي.

وأوضحت التقارير الاقتصادية أن هذا الاعتماد المتبادل يمنح واشنطن ورقة ضغط قوية، خاصة أن المصافي في الغرب الأوسط الأمريكي تعتمد بشكل كامل على الخام الثقيل القادم من ألبرتا. وبينما يسعى الجانب الكندي للرد على الرسوم بالمثل، ترى سميث أن هذه الاستراتيجية قد لا تصب في مصلحة مقاطعتها، مؤكدة أن النفط لا يمكن أن يكون مجرد أداة للمساومة السياسية في ظل هذه الظروف المعقدة.

ألبرتا تكسر الإجماع الكندي

وبينما يشدد المسؤولون في أوتاوا على ضرورة وحدة الصف في مواجهة الإدارة الأمريكية، ترفض سميث الانخراط في سياسة الرد الانتقامي. وأكدت في تصريحاتها أن أي تصعيد جمركي سيؤدي إلى تراجع ملموس في إيرادات المقاطعة، خاصة أن الموازنة المحلية حساسة جدا لأي تغير في أسعار النفط العالمية، حيث يؤدي انخفاض السعر بدولار واحد إلى خسارة مئات الملايين من الدولارات.

وأضافت التقارير أن محاولات ألبرتا لتنويع أسواقها عبر التوسع في خطوط الأنابيب نحو المحيط الهادي لا تزال في مراحلها الأولى، مما يبقيها تحت رحمة السوق الأمريكية على المدى القريب. وأشار الخبراء إلى أن المشاريع الجديدة التي تدعمها واشنطن، مثل تطوير أنابيب إضافية، تهدف في جوهرها إلى تعزيز الارتباط الطاقي مع الولايات المتحدة، وهو سيف ذو حدين بالنسبة للمقاطعة.

وتابعت سميث مساعيها لتجنيب المقاطعة تداعيات الحرب التجارية، موضحة أن الحفاظ على استقرار تدفق النفط يظل الأولوية القصوى. وبينما تضغط الحكومة الفدرالية باتجاه موقف موحد، تجد ألبرتا نفسها في وضع لا تحسد عليه، حيث توازن بين ولائها الوطني ومصالحها الاقتصادية الحيوية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالسياسات الأمريكية.

الانفصال وتوسيع الشرخ الداخلي

وذكرت التحليلات السياسية أن الخلاف بين ألبرتا وأوتاوا يأتي في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالبة بالانفصال عن كندا، وإن كانت نسب التأييد لا تزال محدودة. وأظهرت استطلاعات الرأي أن الانفصال لا يحظى بإجماع شعبي، لكن استمرار التوتر الاقتصادي قد يغذي هذه النزعات، مما يضع الحكومة الفدرالية أمام تحد وجودي يهدد وحدة البلاد.

وبينت الدراسات الاقتصادية أن تكلفة الانفصال ستكون باهظة، حيث ستفقد المقاطعة المزايا التجارية التي توفرها الاتفاقيات الحالية مع الولايات المتحدة والمكسيك. وأكد باحثون أن استقلال ألبرتا قد يعني الدخول في نفق مظلم من المفاوضات المعقدة حول العملة والديون والوصول للأسواق، مما يجعل خيار الانفصال مجرد ورقة ضغط سياسية أكثر منه واقعا اقتصاديا ملموسا.

وأشار خبراء إلى أن استمرار هذا الشرخ يخدم بشكل غير مباشر أجندة واشنطن، حيث يمكن للإدارة الأمريكية استغلال التباين في المواقف بين المقاطعات الكندية لفرض شروطها. وبينما تنفي الإدارة الأمريكية وجود أي تحالف مع الانفصاليين، فإن مجرد الحديث عن اتصالات بهذا الشأن يثير قلقا متزايدا في أوتاوا بشأن التماسك الوطني في مواجهة الضغوط الخارجية.

واشنطن تترقب المشهد

وكشفت التطورات الأخيرة أن واشنطن تتابع بدقة الانقسام الكندي، مدركة أن ورقة الطاقة هي أقوى أدواتها في هذه المفاوضات. وأظهرت تصريحات المسؤولين الأمريكيين أنهم يفضلون التعامل مع مقاطعات ذات توجهات اقتصادية براغماتية، وهو ما يفسر الانفتاح النسبي الذي قد تبديه إدارة ترمب تجاه مطالب ألبرتا، طالما أنها تخدم مصالح أمن الطاقة الأمريكي.

وأضاف المتابعون أن القدرة على استغلال هذا الانقسام تعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة ألبرتا على الصمود أمام ضغوط الحكومة الفدرالية. وبينما تظل المصالح الاقتصادية متشابكة، فإن احتمالية أن تصبح ألبرتا ورقة ضغط في يد ترمب تظل قائمة، خاصة إذا ما فشلت أوتاوا في احتواء التذمر داخل المقاطعات المنتجة للنفط.

وأكدت التقديرات النهائية أن معادلة النفط ستظل تحكم مسار العلاقات بين الطرفين، حيث لا يمكن لواشنطن الاستغناء عن نفط ألبرتا، ولا يمكن لألبرتا العيش دون السوق الأمريكية. وفي ظل هذا الواقع، يظل التوتر قائما بانتظار تسوية سياسية تعيد ترتيب أوراق البيت الكندي وتحمي المصالح الاقتصادية للمقاطعة من تقلبات السياسة الدولية.