تشهد سوريا مرحلة اقتصادية جديدة تتجاوز حدود النشاط اليومي المعتاد نحو محاولات جادة لاعادة ربط البلاد بشرايين التجارة الاقليمية والدولية. وتظهر مؤشرات التعافي في تنامي حركة التبادل عبر الحدود وتصاعد الاهتمام بمشاريع الطاقة التي تعد ركيزة اساسية لاي خطط تنموية مستقبلية.
واوضحت التقارير ان هذه التحركات الايجابية لا تعني بالضرورة تجاوز الازمة بشكل نهائي. اذ لا تزال تحديات المصارف المتعثرة وتهالك البنية التحتية تشكل عوائق حقيقية امام تحويل هذا الانتعاش الاولي الى نمو اقتصادي مستدام وطويل الامد.
وبين المحللون ان فرص الاستثمار الحقيقية ترتبط ارتباطا وثيقا بقدرة سوريا على الاندماج في محيطها الاقليمي من خلال مسارات دبلوماسية تساهم في تقليل المخاطر الامنية والسياسية التي كانت تعيق تدفق رؤوس الاموال لسنوات طويلة.
تحولات في السياسة المالية
وكشفت التطورات الاخيرة عن قيام الولايات المتحدة بالغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للارهاب بعد مراجعة دامت عقودا. واكد مراقبون ان هذا القرار يمثل تحولا جوهريا قد يفتح الباب امام تغييرات ملموسة في علاقة دمشق بالنظام المالي العالمي.
واضاف الخبراء ان الاثر الاقتصادي لهذا القرار لن يظهر بشكل فوري او تلقائي. فالمستثمر يبحث دائما عن بيئة قانونية ومصرفية مستقرة تضمن تنفيذ التحويلات المالية وتغطية التامين وتسهيل عمليات التبادل التجاري دون عوائق قانونية.
وشدد المتابعون للملف على ان الانتقال من العزلة القانونية الى الانفتاح المالي الكامل يتطلب مسارا تدريجيا يضمن شفافية القواعد والامتثال للمعايير الدولية المطلوبة في التعاملات البنكية.
مؤشرات الحركة التجارية
واظهرت بيانات التجارة الخارجية تصاعدا لافتا في التبادل التجاري مع الجارة تركيا. حيث سجلت الارقام زيادة كبيرة تعكس رغبة الطرفين في تعزيز الروابط التجارية وتنشيط المنافذ الحدودية بما يخدم المصالح الاقتصادية المتبادلة.
وبينت التحليلات ان سوريا تمتلك فرصة استراتيجية لاستعادة دورها كممر بري حيوي يربط بين تركيا واوروبا من جهة والاردن والخليج من جهة اخرى. وهو ما يضعها مجددا على خريطة النشاط الاقتصادي الاقليمي.
واكد الخبراء ان هذه الميزة الجغرافية وحدها لا تكفي لجذب الاستثمارات. اذ تحتاج البلاد الى تطوير الطرق وتحديث الاجراءات الجمركية وتوفير خدمات لوجستية متكاملة تضمن سرعة وتكلفة معقولة لنقل البضائع.
الطاقة كشرط للنمو
وكشفت التوقعات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي عن امكانية تحقيق نمو يتجاوز 10 بالمئة خلال الفترة القادمة. بفضل تحسن قطاعات الزراعة والنفط والغاز وتوافر امدادات الطاقة التي تعتبر المحرك الاساسي للمصانع والخدمات.
واضاف المختصون ان ملف الطاقة يظل الاكثر الحاحا. فلا يمكن الحديث عن انتاج صناعي حقيقي دون توفر شبكة كهرباء مستقرة وبتكلفة يمكن للمنتجين تحملها لضمان تنافسية السلع السورية في الاسواق.
وبينت الدراسات ان مذكرات التفاهم حول الطاقة تتطلب ترجمة فعلية على ارض الواقع من خلال اغلاق مالي دقيق وحماية قانونية للاستثمارات لضمان استمرارية المشاريع.
تحديات المعيشة والمصارف
واكد البنك الدولي ان الفجوة بين الارقام الكلية للنمو وبين الواقع المعيشي للسكان لا تزال كبيرة. حيث يعاني الغالبية العظمى من الاسر لتامين احتياجاتهم الاساسية في ظل تضخم لا يزال يؤثر على القدرة الشرائية للافراد.
واضاف التقرير ان القطاع المصرفي يمثل العقدة الاكثر تعقيدا. اذ لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية تعيق قدرته على تمويل الاقتصاد بالشكل المطلوب او استعادة ثقة المودعين والمؤسسات الدولية.
وبين الباحثون ان اعادة تأهيل النظام المصرفي وتفعيل انظمة المدفوعات تعد خطوات ضرورية لا غنى عنها لترجمة اي انفراجة سياسية الى ازدهار اقتصادي ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.
