يتجه الانظار هذا الاسبوع نحو رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي كيفين وارش مع اقتراب موعد انعقاد منتدى جاكسون هول السنوي. وتتصاعد حالة الترقب في الاسواق العالمية لمعرفة ما اذا كان وارش سيكسر حاجز الصمت ويكشف عن رؤيته الصريحة تجاه مسار التضخم وتوجهات اسعار الفائدة في المرحلة المقبلة. ومنذ توليه منصبه حافظ وارش على نهج يتسم بالتحفظ الشديد في تصريحاته النقدية مما جعل كلمته المرتقبة يوم الجمعة في ولاية وايومينغ اختبارا حقيقيا لقدرته على قيادة دفة السياسة النقدية في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.

واضاف المحللون ان وارش يواجه ضغوطا متزايدة ناتجة عن انقسام واضح بين مسؤولي البنك الفيدرالي حول اسباب استمرار معدلات التضخم فوق مستهدف البنك البالغ اثنين في المائة. وبين المراقبون ان هناك تساؤلات جوهرية حول ما اذا كانت الضغوط الحالية ناتجة عن صدمات مؤقتة مثل اضطرابات الطاقة والرسوم الجمركية ام انها تعكس اقتصادا قويا يتجاوز قدرته الاستيعابية للطلب. واكد الخبراء ان خطاب وارش سيكون الفيصل في توضيح العوامل التي قد تدفعه لتغيير موقفه من اسعار الفائدة في الاجتماعات القادمة.

وشدد المتابعون على ان البيانات الاقتصادية الاخيرة زادت من حدة الجدل داخل اروقة الفيدرالي. واوضح تقرير حديث ان اعتدال مؤشرات الاسعار خلال الشهرين الماضيين ساهم في تخفيف الضغط لرفع الفائدة في سبتمبر لكنه لم ينهِ حالة الحيرة بشأن كفاية المستوى الحالي للفائدة الذي يدور حول 3.6 في المائة. وبينت المؤشرات ان السوق لا يزال يبحث عن اجابات واضحة حول مدى فعالية السياسة الحالية في كبح جماح الاسعار.

صراع الاراء حول محركات التضخم

واشار خبراء الاقتصاد الى وجود انقسام حاد داخل اللجنة الفيدرالية حول تفسير مسار الاسعار. واظهرت النقاشات ان الفريق الاول يرى ان التضخم ناجم عن صدمات خارجية مؤقتة ستتلاشى مع الوقت دون الحاجة لتشديد نقدي اضافي. واضاف الفريق الثاني ان هناك اختلالات هيكلية اعمق حيث يتفوق الطلب على العرض مما يمنح الشركات مرونة في رفع الاسعار وهو ما يستوجب تدخلا حاسما عبر رفع الفائدة.

واكدت التطورات الاخيرة ان هذا الانقسام انعكس بوضوح في التصويت الاخير داخل البنك حيث طالب اعضاء بزيادة الفائدة بينما ابدى اخرون ترددا كبيرا. وشدد انصار التشديد على ان متانة الاقتصاد وقوة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي واستمرار الطلب على العمالة تؤكد ان التضخم لن يتراجع من تلقاء نفسه. وبينت وجهات نظر اخرى ان الشركات بدات تظهر حذرا في رفع الاسعار نتيجة لتراجع انفاق المستهلكين وهو ما قد يقلل من حدة التضخم مستقبلا.

واوضح المراقبون ان خطاب جاكسون هول لن يقتصر على السياسة النقدية فحسب بل سيكون اختبارا لنهج وارش في التواصل. واضاف الخبراء ان رئيس الفيدرالي يتبنى فلسفة تقليل التصريحات لتجنب الالتزامات الصعبة لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديا في ظل الحاجة لتوحيد صفوف اللجنة الفيدرالية. وبينت الاحداث السابقة ان تصريحات وارش المقتضبة اثارت شكوك المستثمرين مما انعكس على ارتفاع عوائد السندات وزيادة تكاليف الرهن العقاري.

السندات ووارش.. مواجهة غير مباشرة

واكد المحللون ان مهمة وارش تعقدت بسبب تحركات عوائد السندات الامريكية التي لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات الفائدة. واضاف وزير الخزانة سكوت بيسنت في تصريحات سابقة ان الاساسيات الاقتصادية لا تبرر مستويات العوائد الحالية. وبينت المعطيات ان تدخلات الخزانة في سوق الديون تضع ضغوطا اضافية على البنك المركزي مما يجعله في مواجهة مع جهات داخل الادارة الامريكية حول مسار السياسة النقدية.

واشار وارش الى ان ارتفاع العوائد قد يكون بمنزلة تشديد نقدي تقوم به السوق نيابة عن الفيدرالي. واوضح الخبراء ان هذا الطرح يظل نظريا في ظل تأثر عوائد السندات المباشر بتوقعات المستثمرين حول قرارات الفائدة نفسها. وشدد المحللون على ان وارش مطالب بتقديم رؤية اكثر تماسكا لتجنب الفجوات في التواصل مع الاسواق المالية.

واكد المتابعون ان المعضلة الكبرى امام رئيس الفيدرالي هي تحديد اخطاء الماضي في تقدير قوة سوق العمل. واضاف الخبراء ان تصحيح المسار عبر رفع الفائدة قد يضع وارش في موقف محرج خاصة مع وجود دعوات سابقة من الرئيس ترمب وفريقه الاقتصادي لتخفيض الفائدة. وبينت التحليلات ان اعتماد وارش على نماذج اقتصادية قديمة قد لا يكون كافيا في ظل متغيرات العصر الجديد مثل الذكاء الاصطناعي وتراجع العولمة. واختتم الخبراء بالقول ان خطاب الجمعة هو الفرصة الذهبية لوارش ليوضح ما اذا كان الفيدرالي في حاجة لمزيد من التشديد او ان السياسة الحالية كافية لتحقيق هدف التضخم.