تجد فرنسا نفسها امام معضلة اقتصادية بالغة التعقيد مع اقتراب طرح موازنة العام المقبل وسط برلمان منقسم وحكومة اقلية تسعى جاهدة لتجنب انهيار مالي محتمل. وتكشف المعطيات الراهنة ان حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو تواجه ضغوطا هائلة من المستثمرين لضبط العجز والسيطرة على الدين العام في وقت تشتد فيه المنافسة السياسية استعدادا للانتخابات الرئاسية. واظهرت التقديرات ان الحسابات الانتخابية قد تجعل من الصعب تمرير اصلاحات مالية جذرية في ظل صعود تيارات سياسية تتبنى برامج انفاقية توسعية.

واوضحت التقارير ان الحكومة تستعد لتحديد سقف العجز خلال الاسابيع القادمة تمهيدا لتقديم مشروع القانون الى الجمعية الوطنية في اكتوبر المقبل. واكد مراقبون ان هذه الخطوة ستكون بمثابة شرارة لاطلاق سلسلة من التجاذبات السياسية الحادة التي قد تهز ثقة اسواق السندات. واضافت المصادر ان وزير المالية رولان ليسكوير يدرس خيارات صعبة تشمل تجميد انفاق المعاشات التقاعدية لتحقيق وفورات مالية ضرورية في ظل ضعف النمو الاقتصادي.

وبينت الارقام ان باريس تعاني من صعوبة بالغة في خفض العجز الى مستويات مقبولة مقارنة بنظيراتها في منطقة اليورو. وشددت الحكومة على ان الانفاق الطارئ المرتبط بازمات الطاقة والمناخ يفاقم من التحديات المالية التي تواجهها البلاد. واشارت التحليلات الى ان ضعف الاداء الاقتصادي يضع فرنسا امام اختبار حقيقي لقدرتها على الالتزام بتعهداتها المالية امام الشركاء الاوروبيين.

الاسواق تراقب فرنسا من كثب

وكشفت حركة الاسواق ان المستثمرين بدأوا بالفعل في اعادة تسعير الديون الفرنسية تحسبا لمزيد من الاضطرابات السياسية. واظهرت البيانات ارتفاع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الالمانية ليصل الى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ سنوات. واضاف خبراء ماليون ان تزايد الشكوك حول التزام السياسيين بخفض العجز دفع بتكاليف الاقتراض الفرنسي لتتجاوز نظيرتها الايطالية في مؤشر مقلق للاقتصاد الفرنسي.

واكدت وكالات التصنيف الائتماني انها تترقب تحديث تقييماتها للبلاد وسط مخاوف من خفض جديد للتصنيف السيادي. وبينت التقارير ان الحكومة تحتاج الى اقتراض مبالغ ضخمة لاعادة تمويل ديون حقبة الجائحة التي اصبحت تشكل عبئا كبيرا مع ارتفاع اسعار الفائدة. واوضحت ان التقلبات في اسواق السندات العالمية تزيد من الضغوط على باريس التي اصبحت اكثر حساسية تجاه التطورات المالية الدولية.

واشار محللون الى ان المستقبل المالي لفرنسا اصبح مرتبطا بشكل وثيق بقدرة الحكومة على اقناع الاسواق بجدية الاصلاحات. واضافوا ان استمرار تكاليف الاقتراض عند مستويات مرتفعة قد يؤدي الى تداعيات سلبية على الاستثمارات الحكومية. وشدد هؤلاء على ان غياب الاستقرار السياسي يمنع اتخاذ قرارات حاسمة قد تنقذ المالية العامة من مخاطر طويلة الامد.

الانتخابات تزيد صعوبة خفض العجز

وكشفت استطلاعات الرأي ان المشهد الانتخابي المتوقع يميل نحو صعود مرشحي اقصى اليمين واليسار مما يهدد بتبني سياسات مالية اكثر مرونة. واظهرت النتائج ان احتمالات الوصول الى جولة اعادة بين شخصيات سياسية متناقضة تزيد من حالة الضبابية الاقتصادية. واضاف مراقبون ان المرشحين يميلون الى تجنب خفض الانفاق لضمان اصوات الناخبين مما يعقد مهمة الحكومة الحالية في فرض الانضباط المالي.

وبينت التحليلات ان البرامج الاقتصادية لبعض المرشحين تتضمن مقترحات قد تزيد من العجز بدلا من تقليصه. واكدت ان هذه التوجهات تثير قلق المؤسسات المالية الدولية التي ترى في الانتخابات الفرنسية تهديدا مباشرا للاستقرار المالي. واضافت ان هامش المناورة امام الحكومة يتقلص يوما بعد يوم مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي.

واوضحت التقارير ان فرنسا تقف امام مفترق طرق سياسي واقتصادي يتطلب توافقا وطنيا نادرا في ظل الاستقطاب الحاد. وشددت على ان اي تراجع عن الاصلاحات المالية قد يكلف البلاد ثمنا باهظا في اسواق المال العالمية. واضافت ان الناخب الفرنسي سيكون امام خيار صعب بين الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية او دعم السياسات التقشفية الضرورية.

هل تعود المادة 49.3؟

واشارت التوقعات الى ان الحكومة قد تلجأ مجددا الى المادة 49.3 من الدستور لتمرير الموازنة دون تصويت برلماني. وكشفت ان هذا الخيار سيفتح الباب امام مذكرة حجب ثقة قد تطيح بالحكومة في اي لحظة. واضاف محللون سياسيون ان استخدام هذه المادة اصبح اداة محفوفة بالمخاطر في ظل جمعية وطنية تفتقر الى اغلبية واضحة.

وبينت ان التنازلات السياسية ستكون السبيل الوحيد لبقاء الحكومة في السلطة خلال فترة مناقشة الموازنة. واكدت ان الاحزاب المعارضة لن تفوت الفرصة لترسيخ مواقعها قبل الحملة الانتخابية مما يجعل مساحة التسوية ضيقة للغاية. واضافت ان التاريخ السياسي الحديث لفرنسا شهد اسقاط حكومات بسبب خلافات الموازنة.

واوضحت ان الاعتماد على المادة الدستورية قد يمنح الحكومة وقتا اضافيا لكنه لن يحل الازمة المالية الهيكلية. وشددت على ان الحكومة ستظل رهينة لقرارات البرلمان التي قد تتأثر بالحسابات الانتخابية الضيقة. واضافت ان الخطر الاكبر يكمن في تحول الموازنة الى ورقة ضغط سياسي تعطل تسيير شؤون الدولة.

ماذا لو لم تمر الموازنة؟

وكشفت سيناريوهات وزارة المالية ان الفشل في اقرار الموازنة قد يدفع البلاد نحو شلل مالي غير مسبوق. واظهرت التوقعات ان تمديد موازنة العام السابق عبر قانون طوارئ سيؤدي الى زيادة العجز بنسبة نصف نقطة مئوية على الاقل. واضافت ان هذا التمديد قد يجمد الاستثمارات الحيوية ويقلص الانفاق الدفاعي والاجتماعي مما يفاقم من الازمات الاقتصادية.

وبينت ان حل الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة يعد سيناريو واردا قد يؤخر اقرار الموازنة الى النصف الثاني من العام. واكدت ان هذا التأخير سيعطل العمل على موازنة العام التالي ويدخل البلاد في دوامة من عدم الاستقرار. واضافت ان ثقة المستثمرين ستتضرر بشكل كبير في حال طال امد الازمة المالية.

واشارت الى ان خيار الموازنة بالمرسوم يظل خيارا اخيرا محفوفا بالمخاطر القانونية والسياسية لم يسبق استخدامه في الجمهورية الخامسة. وشددت على ان هذا الاجراء قد يؤدي الى تصويت جديد بحجب الثقة عن الحكومة. واضافت ان فرنسا تحتاج الى مخرج امن يضمن استمرار الدولة دون الانزلاق الى فراغ سياسي او مالي.