تتصدر بلدة سبسطية الفلسطينية الواقعة شمال غرب نابلس المشهد الثقافي العالمي، بعدما نجحت في انتزاع اعتراف دولي بكونها إرثا إنسانيا لا يقدر بثمن، حيث أعلنت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو رسميا إدراجها على قائمة التراث العالمي خلال اجتماعها في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية. وتعد هذه الخطوة انتصارا تاريخيا يعزز الهوية الفلسطينية في مواجهة محاولات التهويد المستمرة، بينما يراها الخبراء بمثابة شهادة ميلاد جديدة لموقع أثري عاصر حضارات تمتد لآلاف السنين.
واضاف المندوب الدائم لفلسطين لدى اليونسكو السفير عادل عطية، أن هذا القرار الدولي يمثل اعترافا بحق الفلسطينيين في حماية موروثهم الحضاري من مخاطر الاندثار والمصادرة، مبينا أن سبسطية ليست مجرد حجارة صامتة، بل هي سجل حي يوثق تعاقب الشعوب منذ العصر البرونزي، وموضحا أن هذا الانجاز يضع العالم أمام مسؤولياته لحماية الموقع من المخططات الاستيطانية التي تهدف لفرض رواية أحادية.
واكد مراقبون أن الاحتلال الإسرائيلي سارع إلى إبداء اعتراضه على القرار، حيث زعمت أطراف رسمية إسرائيلية تجاهل القرار لما أسموه الارتباط التاريخي التوراتي، كاشفة عن نوايا مسبقة لتوسيع نطاق السيطرة على المنطقة، فيما أظهرت المعطيات الميدانية أن هذه المحاولات تواجه صمودا أهليا ومؤسساتيا فلسطينيا مستمرا للحفاظ على معالم البلدة.
موقع استراتيجي وعمق حضاري ممتد
وبينت الدراسات التاريخية أن سبسطية تتربع على تلة جبلية خلابة ترتفع نحو 463 مترا عن سطح البحر، وتعد نقطة التقاء استراتيجية تربط محافظات نابلس وجنين وطولكرم، وأوضح خبراء الآثار أن اسم البلدة مشتق من اللفظ الإغريقي سبسطي، وهو لقب يعني المبجلة أو الموقرة، والذي أطلقه القائد الروماني هيرودس الكبير بعد إعادة تخطيط المدينة وفق النمط المعماري الروماني.
واشار باحثون إلى أن المنطقة شهدت استيطانا بشريا يعود إلى العصر البرونزي المبكر، لافتا إلى أن الملك عمري بنى فيها مدينة السامرة في القرن التاسع قبل الميلاد لتكون عاصمة سياسية واقتصادية، ومضيفا أن البلدة تعاقبت عليها القوى الآشورية والفارسية والهيلينستية حتى وصلت إلى العصر الإسلامي الذي أضفى عليها طابعا روحيا وعمرانيا خاصا.
وذكر مؤرخون أن المسلمين دخلوا البلدة بقيادة عمرو بن العاص عام 636 ميلادي دون قتال، كاشفا أن الفترة الصليبية شهدت بناء كاتدرائية ضخمة حولها صلاح الدين الأيوبي لاحقا إلى مسجد النبي يحيى، ومبينا أن العهد العثماني منح البلدة مكانة مميزة باعتبارها من قرى الكراسي التي كانت مراكز للنفوذ المحلي، وهو ما يفسر وجود قصور تاريخية مثل قصر الكايد والحواري.
كنوز معمارية في مواجهة التحديات
واظهرت المسوحات الميدانية وجود شارع الأعمدة الروماني الذي يمتد لنحو 800 متر، موضحا أن هذا الشارع يمثل تحفة هندسية كانت تضم في أوج ازدهارها مئات التيجان الكورنثية، ومضيفا أن البلدة تحتضن أيضا المسرح الروماني ومعبد أغسطس والبرج الهيليني الدائري، وهي معالم أثرية تعكس التنوع المعماري الذي ميز المنطقة عبر العصور.
وشدد خبراء الحفاظ على التراث أن هذه الكنوز تواجه تهديدات وجودية، مبينين أن أجزاء واسعة من المنطقة تقع ضمن تصنيف المنطقة ج الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وموضحين أن الاحتلال يمنع أي أعمال ترميم أو تنقيب فلسطينية، بل ويقوم بملاحقة طواقم النظافة وعرقلة أي نشاط ثقافي أو سياحي داخل البلدة.
واضاف مهتمون بالشأن الميداني أن الحكومة الإسرائيلية خصصت ميزانيات ضخمة لإنشاء ما يسمى متنزه السامرة الوطني، كاشفا أن المخطط يشمل طرقا التفافية وسياجا يمنع المزارعين من الوصول إلى حقول الزيتون، ومؤكدا أن الهدف الحقيقي هو عزل البلدة عن محيطها التاريخي وتفكيك علاقة السكان بأرضهم وتراثهم.
