تتحول القرى الفلسطينية في الضفة الغربية يوما بعد يوم الى ساحات مفتوحة لممارسات مستوطنين يجمعون بين صفتين متناقضتين في الظاهر ومتطابقتين في الجوهر، حيث يرتدي هؤلاء الافراد الزي العسكري او يحملون سلاح الجيش في الوقت الذي ينشطون فيه كمدنيين يسيطرون على الاراضي ويرهبون الاهالي. واظهرت شهادات حية من مناطق متفرقة في رام الله ونابلس ان المستوطن لم يعد مجرد مدني عابر، بل بات يمتلك سلطة عسكرية فعلية تمنحه حصانة غير معلنة في تنفيذ اعتداءاته المتكررة. واكد مراقبون ان هذا التحول في ادوار المستوطنين خلق واقعا معقدا جعل من الصعب على المواطن الفلسطيني التمييز بين المعتدي بصفته الشخصية او بصفته جنديا في قوات الاحتياط.

واقع الاعتداءات اليومية

وبينت الوقائع الميدانية كيف تحول هؤلاء الافراد الى ادوات ضغط يومية، ففي قرية دير جرير شمال شرق رام الله، تعرض الشاب محمد مجدي ابو مخو لحادثة دهس متعمد من قبل مستوطن كان يرعى اغنامه على الطريق العام، ليتبين لاحقا ان المعتدي هو جندي احتياط يخدم في وحدة للدفاع الاقليمي تضم في صفوفها مستوطنين مسلحين. واضاف ابو مخو ان الاعتداء لم يتوقف عند الدهس بل شمل هجوما بالغاز، موضحا ان المستوطن استغل موقعه العسكري وقربه من المعسكرات الاسرائيلية لفرض واقع ميداني يمنع الفلسطينيين من التحرك بحرية في اراضيهم. وشدد الاهالي على ان هذه الحوادث ليست فردية، بل هي جزء من استراتيجية ممنهجة تهدف الى تطويق القرى الفلسطينية ومنع وصول المزارعين الى حقولهم.

عسكرة المستوطنات

وكشفت تقارير حقوقية دولية ان الحكومة الاسرائيلية عملت بشكل مكثف على تعزيز الدور الامني للمستوطنين، خاصة بعد تصاعد التوترات في المنطقة، حيث تم استدعاء الالاف منهم الى قوات الاحتياط وتوزيعهم على كتائب الدفاع الاقليمي. واوضحت الباحثة في هيومن رايتس ووتش سارة صنوبر ان هذه الاجراءات ادت الى عسكرة غير مسبوقة للمستوطنين، حيث اصبحوا يمتلكون صلاحيات شرطية وعسكرية تمكنهم من تنفيذ الهجمات دون اي رادع قانوني. واشارت الى ان وجود تشكيلات مسلحة مدعومة من الدولة، مثل فرق الاستجابة السريعة، حول المستوطنات الى ثكنات عسكرية تشن هجماتها تحت غطاء قانوني موفر من المؤسسة الرسمية.

غياب المحاسبة والافلات من العقاب

واظهرت المعطيات الحقوقية فجوة كبيرة في ملف الملاحقة القضائية، حيث ان نسبة ضئيلة جدا من الشكاوى التي يقدمها الفلسطينيون ضد جنود ومستوطنين تصل الى مرحلة لوائح الاتهام، مما يعزز شعور المستوطنين بالحصانة. وبينت البيانات ان المستوطنين ينفذون اعتداءاتهم بشكل مستقل احيانا، او بالتنسيق مع قوات الجيش في احيان اخرى، مما يجعل من تحديد المسؤولية القانونية امرا شبه مستحيل في ظل تداخل الادوار. واكد ناشطون ان هذا الواقع يكرس سياسة الامر الواقع، حيث يصبح المستوطن هو الحاكم والمحكوم في آن واحد، في حين يظل الفلسطيني هو الضحية التي تبحث عن عدالة غائبة في اروقة محاكم الاحتلال.