بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

إلى متى سيبقى الشباب الأردني ينتظر؟

كم حكومة جاءت، وكم حكومة رحلت، وكم مرة سمعنا عن فرص تشغيلية واستثمارية قادمة، ومشاريع ستفتح أبواب العمل، ومستقبل أفضل ينتظر الأردنيين؟

ومع ذلك، ما زال الشباب ينتظر، والسنوات تمضي، وتكاليف الحياة ترتفع، فيما يقف الشاب الأردني على أبواب المؤسسات والشركات بحثًا عن فرصة عمل تحفظ له كرامته، وتمنحه الحد الأدنى من مقومات الحياة.

الشاب الأردني لا يطلب المستحيل.

لا يطلب امتيازات، ولا وظيفة تفوق قدراته؛ إنه يطلب عملًا شريفًا يعيش منه، ويطعم أسرته، ثم يستطيع أن يفكر في الزواج والسكن وبناء مستقبله.

لكن أين العدالة الاجتماعية عندما يبلغ شاب الخامسة والثلاثين أو الأربعين أو حتى الخامسة والأربعين، وما زال يبحث عن فرصة عمل، بينما يحصل شاب آخر، في الثانية والعشرين من عمره، على فرصة للعمل فور تخرجه؟

نحن لا نعترض على تشغيل حديثي التخرج؛ فمن حق الجميع العمل. لكن من حق من أمضى سنوات عمره في الانتظار أن يجد هو الآخر فرصة عادلة.

فالعدالة لا تعني أن نمنح فرصة لجيل ونغلق الباب أمام جيل آخر.

لقد أصبح لدينا جيل يشعر بأن أجمل سنوات عمره تضيع بين البطالة والانتظار، بلا استقرار، ولا زواج، ولا مسكن، ولا أفق واضح للمستقبل.

عندما حاول الشباب أن يصنعوا فرصهم بأنفسهم

ومع ذلك، لم يقف الشباب جميعًا مكتوفي الأيدي.

عندما لم يجدوا الوظيفة، توجه كثير منهم إلى صناديق وبرامج التشغيل والإقراض الزراعي، والبنوك، ومؤسسات التمويل، واقترضوا المال لفتح مشاريع صغيرة، لا طمعًا في الثراء، وإنما بحثًا عن مصدر رزق ووسيلة للاعتماد على النفس.

لكن مشاريع كثيرة تعثرت في ظل ارتفاع التكاليف، وصعوبة السوق، وضعف رأس المال، وأحيانًا غياب الخبرة والتسويق والمتابعة.

انتهى المشروع… لكن الدين بقي.

خسر الشاب رأس ماله ومصدر دخله، وبقيت الأقساط والالتزامات.

فكيف يسدد من مشروع لم يعد موجودًا؟

وكيف يسدد قرضًا من دخل لم يعد موجودًا أيضا، بينما كان هذا القرض في الأساس محاولة منه للعمل والإنتاج والاعتماد على نفسه؟

وهكذا وجد بعض الشباب أنفسهم بين فكي كماشة:

بطالة من جهة، وديون والتزامات من جهة أخرى.

وقد يصل بعض المتعثرين، بحسب كل حالة ومسارها القانوني، إلى إجراءات قضائية أو قيود قانونية تزيد أزمتهم تعقيدًا، وتحد من قدرتهم على البحث عن فرصة جديدة والعودة إلى سوق العمل، بل وقد تحد في بعض الحالات من قدرتهم على الحركة أو السفر وفقًا للإجراءات والقرارات القانونية ذات الصلة.

وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:

هل كان المطلوب من الشاب أن يعمل وينتج، أم أن يتحول إلى مدين عاجز عن العودة إلى سوق العمل؟

لسنا ضد البنوك أو مؤسسات التمويل، ولسنا ضد الإقراض؛ فالتمويل يمكن أن يكون أداة مهمة للتنمية وخلق فرص العمل.

لكن التمويل وحده لا يصنع مشروعًا ناجحًا.

المشروع يحتاج إلى رأس مال مناسب، ودراسة سوق، وتدريب، وإدارة، وتسويق، ومتابعة، وبيئة اقتصادية تساعده على الاستمرار.

والأخطر أن يشعر المواطن بأن فرص النجاح في السوق ليست متاحة بالقدر نفسه للجميع، وأن بعض المشاريع تحظى بقدرات مالية وعلاقات وإمكانات لا تتوفر للشاب محدود الدخل الذي يحاول أن يبدأ من الصفر.

فالاقتصاد العادل هو الذي يتيح المنافسة على أساس الكفاءة والقدرة والعمل، لا على أساس النفوذ والمال والعلاقات.

لذلك نحتاج إلى مراجعة جادة لسياسات تمويل المشاريع الصغيرة، ووضع آليات فعالة لإعادة الجدولة والإنقاذ المبكر، ودراسة حالات التعثر بإنصاف، بما يحفظ حقوق الدائنين، ويمنح المتعثر حسن النية فرصة حقيقية للعودة إلى العمل والإنتاج.

فالفشل في مشروع لا يعني الفشل في الإنسان، والتعثر المالي لا ينبغي أن يعني نهاية المستقبل.

البطالة لا تؤجل الوظيفة… بل تؤجل الحياة

المشكلة لا تتوقف عند الوظيفة والدخل.

فالشاب الذي لا يملك عملًا مستقرًا يصعب عليه أن يتزوج، أو يستأجر منزلًا، أو يؤسس أسرة. ومع ارتفاع تكاليف الحياة، أصبح الزواج والاستقرار حلمًا مؤجلًا عند كثير من الشباب.

وعندما تضيق الخيارات، يبدأ بعض الشباب بالنظر إلى الهجرة باعتبارها الطريق الوحيد إلى مستقبل أفضل؛ لا لأنهم يكرهون وطنهم، وإنما لأنهم يريدون فرصة للعمل والحياة.

لكن المفارقة المؤلمة أن بعض الشباب المتعثرين قد يجدون أنفسهم أمام قيود قانونية أو مالية تجعل البحث عن فرصة خارج الوطن أكثر صعوبة، فيصبح الشاب في وضع بالغ القسوة:

لا استطاع أن يعمل، ولا تمكن من سداد ديونه، ولا استطاع أن يبدأ من جديد.

وهنا تكمن الخطورة.

فحين تُغلق أبواب العمل، وتتراكم الديون، وتضيق فرص الحركة، ويشعر الإنسان بأنه فقد القدرة على بناء مستقبله، فإن المجتمع كله يصبح أمام مشكلة لا يجوز الاستهانة بها.

نحن لا نريد لشبابنا أن يصلوا إلى مرحلة اليأس أو الانحراف أو التشرد.

نريد أن نحميهم من الوصول إلى هذه المرحلة أصلًا.

فنحن نخسر طاقات شابة أنفقت الدولة والأسر سنوات طويلة في تعليمها وتأهيلها، ثم تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مستقبل خارج الوطن، أو تعيش حالة من الإحباط والعجز داخل الوطن.

الهجرة ليست مجرد قرار فردي؛ إنها جرس إنذار يجب أن نسمعه.

أين الموارد؟ وأين البدائل؟

الأردن ليس بلدًا بلا إمكانات.

لدينا الفوسفات والبوتاس والثروات المعدنية، وإمكانات واسعة في الزراعة والسياحة والصناعة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، وهناك حديث متواصل عن موارد وثروات وإمكانات كامنة في باطن الأرض.

ومن حق المواطن أن يسأل، بكل احترام ووضوح:

ماذا لدينا من ثروات؟ وما الذي استُثمر منها؟ وما الذي لم يُستثمر؟ وما أسباب ذلك؟

إذا كانت هناك أسباب فنية أو اقتصادية تحول دون استثمار مورد معين، فليعرف المواطن الحقيقة.

وإذا كانت هناك اعتبارات أو تحديات أخرى، فليُصارح المواطن بما يمكن الإعلان عنه ضمن مقتضيات المصلحة والأمن الوطني.

نحن لا نطلق اتهامات، ولا نبحث عن خصومة مع أحد؛ نحن نطرح أسئلة وطنية مشروعة.

وإذا تعذر استثمار مورد معين لأي سبب، فأين البدائل؟

ليس مقبولًا أن يبقى مستقبل الشباب مرهونًا بمشروع لم يبدأ، أو استثمار لم يصل، أو وعد لم يتحقق.

نريد صناعة منتجة، وزراعة متطورة، وسياحة فاعلة، وطاقة مستدامة، وتكنولوجيا حديثة، ونقلًا وخدمات لوجستية قادرة على المنافسة، ومشاريع صغيرة ومتوسطة تجد البيئة المناسبة للنمو والاستمرار.

ونريد بيئة استثمار حقيقية تجعل المستثمر يثق، والشاب يستطيع أن يبدأ، وصاحب المشروع يستطيع أن يستمر.

نريد عدالة في الفرص

ولا بد من مواجهة قضية أخرى بوضوح: تكافؤ الفرص.

لا يجوز أن يشعر الشاب بأن الوظيفة لا تصل إلا عبر الواسطة والعلاقات، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي.

نريد معيارًا واضحًا:

الكفاءة، والاستحقاق، والشفافية، وتكافؤ الفرص.

فكلما شعر المواطن بأن الفرص توزع بعدالة، زادت ثقته بالدولة ومؤسساتها. وكلما شعر بغير ذلك، اتسعت الفجوة بين المواطن ومؤسساته.

ولا يجوز أن يترسخ لدى جيل كامل اعتقاد بأن النجاح حكر على أصحاب النفوذ أو أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، بينما يُطلب من الشاب محدود الإمكانات أن ينافس بموارد لا يملكها.

تكافؤ الفرص ليس شعارًا؛ بل هو أساس من أسس العدالة والاستقرار الاجتماعي.

وهنا لا نتحدث عن ترف سياسي أو مطلب فئوي، بل عن مسألة تمس استقرار المجتمع وثقة الأجيال بمستقبل وطنهم.

إلى الحكومة: نريد أن نرى النتائج

نقولها بكل احترام، ولكن بكل صراحة:

كفى وعودًا لا تتحول إلى واقع.

المواطن يريد أن يرى مشروعًا يعمل، ومصنعًا ينتج، واستثمارًا يأتي، وشابًا يحصل على وظيفة، ومشروعًا صغيرًا ينجح ويستمر.

لا نريد شعارات؛ نريد أرقامًا.

لا نريد وعودًا؛ نريد مشاريع.

لا نريد تسويفًا؛ نريد قرارات.

ولا نريد واسطة؛ نريد عدالة.

نريد خطة واضحة لتشغيل الشباب، بأهداف قابلة للقياس، ومواعيد محددة، ومشاريع معلنة، وأن يعرف المواطن:

كم فرصة عمل ستُخلق؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف ستستمر؟

ونريد أن تكون هناك مراجعة حقيقية للبرامج التي لم تحقق أهدافها، وأن تتم محاسبة الخطط على نتائجها لا على عناوينها.

فالحكومات تُقاس بما تنجزه، لا بما تعد به.

بكفي… والله بكفي

أقولها من باب الحرص على الأردن، لا من باب الخصومة مع أحد.

نريد دولة قوية ومستقرة وآمنة، وحكومة ناجحة، واقتصادًا منتجًا، ومؤسسات تحظى بثقة المواطن.

لكن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تجاهل الألم، وإنما على معالجة أسبابه.

طفح الكيل من الانتظار.

ليس من العدل أن يبلغ الشاب الأربعين وهو لا يعرف كيف سيبني حياته، أو أن يحاول إنشاء مشروع صغير ثم يجد نفسه عاجزًا عن العودة إلى سوق العمل، أو أن تتحول الديون إلى عائق أمام بداية جديدة.

الشباب الأردني ليسوا أرقامًا في جداول البطالة، ولا ملفات قروض، ولا أرقامًا في قوائم المتعثرين.

إنهم أبناء هذا الوطن، وثروته الحقيقية، ومستقبله.

لا نريد لهم صدقة؛ نريد عملًا.

لا نريد لهم امتيازات؛ نريد عدالة.

لا نريد وعودًا جديدة؛ نريد مستقبلًا حقيقيًا.

فأنقذوا هذه الثروة قبل أن يقتلها اليأس.

افتحوا الأبواب قبل أن تتراكم القيود، وفروا العمل قبل أن تتراكم الديون، وأنقذوا المشاريع قبل أن تنهار، وأعيدوا الأمل قبل أن يصبح اليأس عنوان جيل كامل.

بكفي… والله بكفي.

فالناس تريد أن تعيش، والشباب يريد أن يعمل، والأسرة تريد أن تستقر، والأردن يستحق أفضل من ذلك.

آن الأوان أن تتحول الوعود إلى أفعال، والخطط إلى مشاريع، والمشاريع إلى وظائف، والأمل إلى حقيقة