بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ماذا يجري؟
وإلى أين تمضي الأمور؟
وماذا بقي من هيبة الدول وسيادتها؟
وماذا بقي من كرامة أمة عربية تقف أمام مشهد بالغ الخطورة، ثم تمضي وكأن شيئًا لم يكن؟
أن يدخل رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الأراضي السورية، ويصل إلى منطقة جبل الشيخ، عنوةً وتحت حماية قوات الاحتلال، دون وجل أو خجل، ليس مجرد استفزاز عابر، ولا حركة سياسية عابرة يمكن وضعها في إطار المناورات الإعلامية.
إنه مشهد يختصر حجم الغطرسة الإسرائيلية والاستخفاف بكل القواعد والأعراف والمواثيق الدولية.
أي جرأة هذه؟
وأي استعلاء هذا الذي يجعل رئيس حكومة الاحتلال يدخل أرض دولة عربية ذات سيادة وكأنها أرض مشاع بلا صاحب؟
من أعطاه الحق؟
ومن قال إن القوة تمنح صاحبها حق انتهاك حدود الدول؟
ومن قال إن الاحتلال يستطيع أن يفرض على المنطقة قانونًا خاصًا به، بينما يُطلب من الآخرين الالتزام بالقانون الدولي؟
إن ما يحدث لم يعد يحتمل التجميل أو العبارات الدبلوماسية الباردة.
هناك احتلال يتصرف بمنطق القوة، وهناك صمت عربي يزداد ثقلًا وإيلامًا.
نتنياهو لم يدخل جبل الشيخ لأنه لا يعرف أنها أرض سورية.
ولم يتجاوز الحدود لأنه أخطأ في قراءة الخريطة.
إنه يعرف تمامًا أين يقف، ويعرف تمامًا ماذا تعني هذه الخطوة، ويعرف أن الرسالة ليست إلى سوريا وحدها.
الرسالة إلى المنطقة كلها.
رسالة تقول إن إسرائيل مستعدة لأن تتقدم متى وجدت الطريق مفتوحًا، وأن تفرض واقعًا جديدًا بالقوة، وأن تختبر في كل مرة حدود رد الفعل العربي والدولي.
وهنا المصيبة.
فالمشكلة ليست فقط في من يتقدم، وإنما في من يسمح له بأن يتقدم دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا حقيقيًا.
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها السؤال مؤلمًا أكثر من الحدث نفسه:
هل ما زالت هناك أمة عربية؟
أمة ترى أرض دولة عربية تُنتهك، وحدود دولة عربية تُتجاوز، وسيادة دولة عربية تُداس، ثم لا تجد في مواجهة هذا المشهد إلا الصمت والبيانات والمواقف التي لا تغيّر شيئًا على الأرض؟
لا نريد حروبًا عشوائية، ولا مغامرات عسكرية، ولا شعارات جوفاء.
ولكننا نريد شيئًا واحدًا على الأقل:
أن يكون للعرب موقف يليق بحجم الخطر.
موقف سياسي حقيقي.
موقف دبلوماسي حقيقي.
موقف يجعل الاحتلال يعرف أن لكل تجاوز ثمنًا، وأن المنطقة ليست بلا إرادة، وأن العرب ليسوا عاجزين إلى هذه الدرجة.
فما يجري اليوم في سوريا يجب ألا يُنظر إليه باعتباره شأنًا سوريًا داخليًا أو حادثة منفصلة.
إنها مسألة سيادة عربية.
وإذا أصبح انتهاك حدود دولة عربية أمرًا يمكن تمريره بالصمت، فما الذي يمنع تكرار الأمر في مكان آخر؟
اليوم جبل الشيخ.
وغدًا ماذا؟
وأين سيتوقف هذا المشروع؟
إن أخطر ما يواجه الأمة ليس فقط قوة الخصم، وإنما اعتياد الأمة على تراجعها أمامه.
أن يصبح الاحتلال أمرًا مألوفًا.
أن تصبح الغارات أمرًا عاديًا.
أن تصبح التوغلات أمرًا عاديًا.
أن تصبح انتهاكات السيادة خبرًا يمر في نشرات الأخبار ثم يُنسى.
وهذه هي الكارثة الحقيقية.
الأمم لا تُهزم فقط عندما تخسر معاركها، بل تُهزم عندما تفقد الإحساس بخطورة ما يحدث لها.
إن دخول نتنياهو إلى الأراضي السورية بهذه الصورة يجب أن يوقظ فينا سؤالًا كبيرًا:
ماذا نريد من المستقبل؟
هل نقبل أن تُرسم خريطة المنطقة بالقوة؟
هل نقبل أن تصبح الحدود العربية قابلة للتغيير كلما امتلك طرف القوة العسكرية؟
هل نقبل أن تتحول السيادة إلى كلمة في البيانات، بينما تُفرض الوقائع على الأرض بالقوة؟
وهل سنبقى نتفرج على مسلسل الاستعلاء الإسرائيلي وهو يتكرر أمام أعيننا؟
إلى متى؟
لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح:
إن إسرائيل لا تتصرف بهذه الغطرسة من فراغ.
إنها تفعل ذلك لأنها تشعر أن كلفة التحدي منخفضة، وأن ردود الفعل محدودة، وأن العالم العربي غارق في أزماته وخلافاته، وأن كل دولة منشغلة بملفاتها الداخلية.
وهنا يجب أن نتوقف.
فالخلافات العربية لا يجوز أن تتحول إلى فرصة مفتوحة أمام الآخرين.
والانقسامات العربية لا يجوز أن تكون جسرًا يعبر عليه الاحتلال إلى مزيد من الأراضي العربية.
نحن أمام لحظة تستحق أن نتساءل فيها بكل صدق:
أين القرار العربي؟
أين الإرادة العربية؟
أين القدرة على تحويل الغضب إلى موقف؟
أين القدرة على استخدام السياسة والدبلوماسية والقانون والاقتصاد وكل أدوات الضغط المتاحة؟
لا أحد يطلب المستحيل.
ولا أحد يطلب من العرب أن يذهبوا إلى حرب.
لكن المطلوب ألا تبقى الأمة في موقع المتفرج.
فالصمت الطويل أمام الغطرسة يتحول في النهاية إلى ضوء أخضر.
وهنا أخشى أن يأتي يوم لا يعود السؤال فيه:
لماذا دخل نتنياهو جبل الشيخ؟
بل يصبح السؤال:
لماذا تركناه يصل إلى أبعد من ذلك؟
إن جبين الأمة العربية لا يندى فقط عندما تُحتل أرضها، وإنما عندما ترى الاعتداء يتكرر ولا تجد في نفسها الإرادة الكافية لوقفه.
وإن العار ليس في أن تكون الأمة ضعيفة في لحظة من تاريخها؛ فالضعف قد يصيب الأمم.
لكن العار الحقيقي أن تعتاد الأمة ضعفها، وأن تتعامل مع الإهانة وكأنها قدر لا يمكن تغييره.
لقد آن الأوان أن تستعيد الأمة العربية ثقتها بنفسها.
أن تعرف أن احترام الآخرين لها يبدأ باحترامها لسيادتها.
وأن تدرك أن الأمن القومي العربي ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية تاريخية.
أما نتنياهو، فعليه أن يدرك أن المنطقة ليست ملكًا له، وأن التاريخ لن يمنحه صكًا بامتلاك أرض ليست له، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع أن تمنح الاحتلال شرعية أبدية.
جبل الشيخ ليس مجرد جبل.
إنه رمز للأرض والسيادة والحدود والكرامة.
ولهذا فإن ما جرى يجب ألا يمر كخبر عابر.
يجب أن يبقى سؤالًا مفتوحًا في وجه كل عربي:
ماذا يجري؟
وماذا بقي من أمتنا إذا أصبح انتهاك أرض عربية لا يحرك فينا إلا المشاهدة؟
وإلى متى يبقى الاحتلال يختبرنا خطوة بعد خطوة؟
ثم السؤال الأشد مرارة:
هل بقي من أمة عربية من يستطيع أن يمحو عن جبينها هذا العار، وأن يقول للغطرسة الإسرائيلية: إلى هنا… وكفى؟
