بقلم : عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

ما أشدَّ النفاق حين يصبح سلوكًا اجتماعيًا مألوفًا، وما أقسى أن يصل الإنسان إلى مرحلة ينتقد فيها المسؤول في غيابه، ويشتمه ويقدح فيه، ثم ما إن يظهر أمامه حتى يتبدل وجهه، وتتحول مواقفه إلى تصفيق ومديح وتملق!

النفاق الإعلامي أصبح في بعض الحالات أمرًا يصعب وصفه، لكن النفاق المجتمعي فاق كل حدود الوصف.

هناك من يجلس في المجالس، ينتقد الوزير ورئيس الحكومة والنائب والمسؤول، ويكيل لهم من الشتائم والاتهامات ما يكفي لملء صفحات، وقد يصل به الأمر إلى اللعن والتشهير، ثم ما إن يدخل أحد هؤلاء المسؤولين إلى المكان حتى يكون أول من يقف من مقعده، وأول من يسارع إلى استقباله والترحيب به، وكأنه لم يكن قبل لحظات يطلق عليه أقسى العبارات!

فأيُّ تناقض هذا؟

بل إن بعض هؤلاء لا يكتفي بأن يناقض نفسه، وإنما ينسى أن من كان يشتمه قبل دقائق هو نفسه الذي أصبح يتسابق للوقوف أمامه والتقرب منه.

وكأنه يلعن نفسه قبل أن يلعن غيره!

المصيبة أكبر من ذلك

المسألة لم تعد محصورة في المجالس العامة أو المناسبات السياسية، بل تسللت إلى حياتنا الاجتماعية والخاصة.

ففي بعض مناسبات الخطوبة والجاهات، أصبح هناك من يتسابق للبحث عن مسؤول أو صاحب منصب أو صاحب معالي، ليس لأنه الأقرب إلى العائلة، ولا لأنه الأكبر سنًا أو الأعرف بتاريخها، وإنما لأن وجوده – في نظرهم – يمنح المناسبة وجاهة اجتماعية أكبر.

حتى أصبحنا نرى أهل العروس يبحثون عمن يمثل والد العروس في الحديث عن ابنته، وأهل العريس يبحثون عمن يتحدث نيابة عنهم، وكأن الأب الذي ربّى ابنه أو ابنته، وعاش معه سنوات عمره، وأفنى عمره في تربيته وتعليمه وتأمين مستقبله، لا يملك المكانة الكافية ليتحدث عن ابنه أو ابنته!

وهنا أسأل بكل صراحة:

لماذا تصغّرون أنفسكم؟

لماذا يعتقد بعض الناس أن قيمة مناسبتهم ترتفع بوجود مسؤول، وأن مكانتهم الاجتماعية تكبر إذا جلس إلى جانبهم صاحب معالي أو نائب أو شخصية عامة؟

هل أصبح الإنسان يُقاس بمن يحضر مناسباته، لا بما هو عليه؟

وهل أصبح الأب بحاجة إلى مسؤول كي يتحدث عن ابنه أمام الناس؟

وهل أصبح أهل العائلة بحاجة إلى صاحب منصب أو شخصية معروفة كي تمثلهم في مناسبة تخص أبناءهم؟

لا أحد يكبرك إذا كنت ترى نفسك صغيرًا

احترام المسؤول واجب، واحترام الكبير واجب، وتقدير أصحاب المكانة والخبرة أمر محمود، ولا خلاف على ذلك.

ومن الجميل أن يتقدم العم أو الخال أو كبير العائلة أو شيخ العشيرة اوصديق لك وفي مخلص مهما كان موقعه، بعد الأب أو إلى جانبه، إذا كان ذلك عرفًا متفقًا عليه ومحبةً وتقديرًا.

لكن أن يتحول الأمر إلى اعتقاد بأن وجود المسؤول هو الذي يمنح المناسبة قيمتها، فهذه هي المشكلة.

لا تكبّر من لا يكبر بك، ولا تصغّر نفسك كي تُشعر غيرك بأنه كبير.

المسؤول الذي يحضر مناسبتك هو ضيف كريم، نحترمه ونقدره، لكن حضوره لا ينبغي أن يحول الأب إلى متحدث من الدرجة الثانية في مناسبة تخص أبناءه.

والوزير او النائب او اي مسؤول ، مهما كان منصبه، يبقى مواطنًا له مكانته، لكن الأب الذي يقف ليتحدث عن ابنه في يوم خطوبته لا يحتاج إلى أن يستعير مكانة أحد.

مكانة الأب في أبنائه، ومكانة الإنسان في أخلاقه وتاريخه وسمعته، لا في عدد أصحاب المناصب الذين يجلسون إلى جانبه.

هل يشاركونكم أفراحكم دون توسل؟

هل هؤلاء المسؤولون دعوك يومًا إلى مناسباتهم؟ أم يعتبرونك في عداد من لا يستحقون الدعوة أو في مستوى أقل من المطلوب؟

هل يشاركونكم أفراحكم دون أن تتوسلوا إليهم الحضور؟

إن كان أحدهم يفعل ذلك، ويبادلكم الدعوة والاحترام، ويشارككم أفراحكم كما تشاركونه أفراحه، فهو صديق، ومن الوفاء أن تقدمه بعدك في خطوبة ابنك أو ابنتك، تقديرًا للصداقة والعلاقة المتبادلة، لا بسبب منصبه فقط.

أما إذا كان الحب من طرف واحد، وإذا كنتم أنتم من تسعون إليه وتدعونه وتلاحقون حضوره، بينما لا يذكركم هو في مناسباته، ولا يعتبركم من أصدقائه أو من دائرته الاجتماعية، فلا تكبّروا من يعتبركم صغيرًا، ولا تمنحوا من يتعالى عليكم مكانةً لا يمنحكم إياها.

لا تكبّر لمن يعتبرك صغيرًا ويكبر عليك.

اتركوا النفاق، واحترموا بعضكم بعضًا، واحترموا أنفسكم، واحفظوا كرامتكم.

دعوة المسؤولين ليست عيبًا… ولكن

ليس عيبًا أن ندعو كبار المسؤولين إلى جاهاتنا أو مناسباتنا، ولا حرج في أن نطلب حضورهم إذا كانت بيننا وبينهم صداقة حقيقية، أو قرابة، أو معرفة طيبة، أو عشرة طويلة قائمة على الاحترام المتبادل.

وإذا كان أحدهم صديقًا عزيزًا عليك، فمن الطبيعي أن تدعوه، وليس في ذلك ما يعيبك أو ينتقص من كرامتك. بل قد يكون من الوفاء أن تقدمه بعدك، تقديرًا لمكانته في نفسك، لا بسبب منصبه فقط.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بصدق هو:

هل هؤلاء الذين نذهب لدعوتهم، ونسعى إلى مراسلتهم، ونلحّ في طلب حضورهم مناسباتنا، يدعوننا هم أيضًا إلى مناسباتهم؟

هل يعتبروننا من الأشخاص الذين يستحقون الدعوة؟

هل يروننا أصدقاء مقرّبين؟

هل يقدّرون الصداقة البسيطة والعِشرة الطويلة؟

هل يتذكروننا في أفراحهم ومناسباتهم كما نتذكرهم نحن؟

إن كان الأمر كذلك، فلا بأس من دعوتهم، لأن العلاقة هنا متبادلة، والاحترام قائم بين الطرفين، والدعوة نابعة من محبة حقيقية لا من شعور بالنقص أو رغبة في استعراض الوجاهة.

أما إذا كانوا لا يدعونكم يومًا إلى أي مناسبة، ولا يعتبرونكم من دائرتهم الاجتماعية، ولا يرونكم على مستوى الصداقة البسيطة أو العِشرة الطويلة، فلماذا نقوم بدعوتهم؟ ولماذا نلاحق حضورهم وكأن مناسبتنا لا تكتمل إلا بهم؟

هم ليسوا بأحسن منا، ولا أكبر منا، والمنصب لا يكبّر إلا الكبير.

فالمسؤول الذي لا يبادلك الدعوة، ولا يقدّر العلاقة، ولا يضعك في حساباته الاجتماعية، لا ينبغي أن تجعل حضوره معيارًا لقيمة مناسبتك أو مكانتك بين الناس.

الدعوة ينبغي أن تكون لمن يشاركك الود، ويحفظ لك مكانتك، ويبادلك التقدير، لا لمن تسعى أنت إليه بينما لا يراك أهلًا لأن يسعى إليك.

لا تجعل الدعوة طريقًا لاسترضاء من لا يقدّرك، ولا تجعل حضور صاحب منصب شهادةً على قيمتك.

من المؤسف أن نبحث عن الوجاهة بدل الكرامة

المشكلة ليست في المسؤول الذي يقبل الدعوة، ولا في كبير القوم الذي يتقدم للحديث احترامًا وتقديرًا.

المشكلة في العقلية التي ترى نفسها أقل من غيرها، فتبحث عن شخص صاحب منصب لكي تستمد منه قيمة اجتماعية.

هذه ليست وجاهة.

هذه استصغار للذات.

فالذي يعتقد أن مناسبة ابنه أو ابنته لن تكتمل إلا بوجود مسؤول، عليه أن يسأل نفسه أولًا: ماذا ينقصني أنا؟

ماذا ينقص أبي؟

ماذا ينقص عائلتي؟

ماذا ينقص تاريخنا وسمعتنا ومكانتنا بين أهلنا؟

إن كان الأب صاحب خلق وسيرة طيبة ومحبة بين الناس، فما حاجته إلى لقب يستند إليه؟

وإن كانت العائلة محترمة ومقدّرة، فما حاجتها إلى استعارة هيبة الآخرين؟

الأخطر… أن نمارس النفاق ثم نتحدث عن القيم

ننتقد المسؤول في الصباح، ونبحث عنه في المساء.

نلعنه في المجلس، ثم نتسابق لاستقباله عند الباب.

نشكك في قدراته، ثم نطلب منه أن يترأس جاهتنا.

ننتقد المحسوبية، ثم نبحث عن صاحب نفوذ ليمنح مناسبتنا مزيدًا من الوجاهة.

نقول إن المناصب لا تصنع الرجال، ثم نتصرف وكأن الرجل لا تكتمل قيمته إلا بمنصبه.

أي تناقض هذا؟ وأي قيم نريد أن نربي أبناءنا عليها؟

إن أردنا أن ننتقد المسؤول، فلنكن شجعانًا في مواقفنا، ثابتين على مبادئنا، لا أن يتحول النقد إلى وسيلة للتنفيس في غيابه، ثم يتحول الموقف إلى تملق بمجرد ظهوره.

وإن أردنا احترام المسؤول، فلنحترمه بصدق، لا بالنفاق.

وإن أردنا تكريم الكبير، فلنكرمه لأنه كبير بأخلاقه وسنه وتجربته، لا لأنه يحمل لقبًا أو يجلس على كرسي.

كرامتك ليست بحاجة إلى واسطة

يا أبا العريس…

أنت أولى من يتحدث عن ابنك.

ويا أبا العروس…

أنت أولى من يتحدث عن ابنتك.

تحدثا عنها بفخر، فأنتم أصحاب القصة، وأنتم من حملتم أبناءكم في طفولتهم، وسهرتم عليهم، وربّيتموهم، وفرحتم بنجاحهم، وحزنتم لأحزانهم.

اتركوا لأبنائكم ذكرى جميلة يتذكرونها طوال حياتهم: أن والدهم وقف بنفسه وتحدث عنهم أمام الناس.

استعينوا بالكبير احترامًا له، لا شعورًا بالنقص.

وقدّموا العم أو الخال أو كبير العشيرة تقديرًا لمكانته، لا لأنكم ترون أنفسكم عاجزين عن تمثيل أبنائكم.

أما أن نبحث عن أصحاب المعالي والمناصب فقط لكي نقول للناس: “انظروا من حضر مناسبتنا”، فهذه ليست رفعة.

الرفعة أن يحضر الناس احترامًا لك، لا أن تستجدي الوجاهة من حضورهم.

وفي النهاية، سيغادر المسؤول مناسبتك إلى بيته، وسيعود الوزير إلى وزارته، والنائب إلى موقعه، وصاحب المنصب إلى منصبه.

أما أنت، فستبقى أنت.

فلا تجعل قيمتك مستعارة من منصب أحد، ولا تجعل احترام الناس لك مرتبطًا بمن وقف إلى جانبك.

ارفع رأسك بما أنت عليه، لا بمن أحضرته.

فمن يعرف قدر نفسه، لا يحتاج إلى أن يستعير قدر الآخرين.

ومن كان كبيرًا بأخلاقه، لا يحتاج إلى لقب.

ومن كان عزيزًا بين أهله، لا يحتاج إلى صاحب معالي ليمنحه العزة.

وأقسى ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يصغّر مقامه بيده، ثم يبحث عن مسؤول كي يبدو كبيرًا أمام الناس.

فيا أيها المجتمع…

كفى نفاقًا، وكفى تملقًا، وكفى استصغارًا للذات.

لنعد إلى البساطة، وإلى الصدق، وإلى احترام الإنسان لذاته قبل أن يطلب احترام الآخرين له.

فلا المناصب تدوم، ولا الكراسي تدوم، ولا الوجاهة المصطنعة تدوم.

الذي يدوم هو الإنسان… بما تركه من كرامة، وصدق، وموقف، وسيرة طيبة