بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

 

تحلّ في السابع عشر من أيلول ذكرى واحدة من أصعب المحطات في تاريخ الأردن الحديث؛ ففي ذلك اليوم من عام 1970 بدأت المرحلة الرئيسية من المواجهة المسلحة بين القوات المسلحة الأردنية والتنظيمات الفلسطينية، بعد فترة طويلة من التوتر والانفلات الأمني وتعدد مراكز القرار والسلاح داخل الدولة.

لم تكن المواجهة حادثة عابرة، كما لم تنتهِ في يوم واحد؛ فقد استمرت تداعياتها والاشتباكات المرتبطة بها بصورة متقطعة، إلى أن انتهى الوجود العسكري المنظم للفصائل الفلسطينية في الأردن في تموز 1971. غير أن توقف القتال لم يكن كافياً؛ إذ كان على الأردن أن يخوض معركة أخرى لا تقل أهمية وصعوبة: إعادة توحيد المجتمع، ومداواة الجراح، ومنع الخلاف العسكري والسياسي من التحول إلى انقسام دائم بين الأردنيين.

وبعد ستة وخمسين عاماً، لا ينبغي أن نستعيد تلك الأحداث بهدف توزيع الاتهامات، أو إعادة خوض المعركة بالكلمات، أو توريث نتائجها للأجيال التي لم تعشها. المطلوب قراءة وطنية ناضجة لا تنتقص من حق الدولة في الدفاع عن سيادتها، ولا تتجاهل أن الذين وجدوا أنفسهم على طرفي المواجهة كانوا، في معظمهم، أبناء مجتمع واحد، تجمعهم روابط الدم والجوار والقضية والمصير المشترك.

استعادة الدولة لا مواجهة القضية الفلسطينية

من الضروري عند قراءة تلك المرحلة التأكيد أن الهدف المباشر للمواجهة كان استعادة سلطة الدولة، ووقف مظاهر الانفلات، ومنع نشوء سلطة مسلحة موازية داخل الدولة الأردنية. فلا يمكن لأي دولة أن تستمر بوجود جيشين وسلطتين وقرارين للحرب والسلم على أرضها.

كانت أمام القوات المسلحة الأردنية مهمة بالغة القسوة: حماية مؤسسات الدولة واستعادة السيطرة على العاصمة والمدن، مع علمها بأنها تتحرك في بيئة يعيش فيها مدنيون ومقاتلون تجمعهم روابط عائلية واجتماعية ووطنية عميقة.

نجح الجيش في استعادة سيطرة الدولة ووحدة قرارها، وهذه حقيقة وطنية لا ينبغي الانتقاص منها. ولكن انتصار الدولة لم يكن، ولا يصح أن يُفهم، باعتباره انتصاراً لطرف على آخر؛ بل كان انتصاراً لمبدأ الدولة الواحدة، والسلطة الواحدة، والجيش الواحد، والقانون الذي يسري على الجميع.

الذين سقطوا كانوا أبناء مجتمع واحد

عندما نستذكر ضحايا تلك الأيام، يجب ألا نقسمهم بعد موتهم إلى وطنيين وخونة. فالذين وجدوا أنفسهم على طرفي المواجهة كانوا أبناء مجتمع واحد. ولم يكن معظم الجنود والمقاتلين هم الذين صنعوا الأزمة أو حددوا مسارها؛ فقد وجد كثيرون أنفسهم داخل معركة دفعت إليها تراكمات سياسية، وأخطاء قيادية، وممارسات على الأرض، وتدخلات خارجية.

لقد سقط عسكريون أردنيون ومقاتلون فلسطينيون، كما سقط مدنيون أبرياء من مختلف الأصول. فكل روح أُزهقت كانت خسارة للأردن.

والذاكرة الوطنية المنصفة تتسع للجميع، من دون أن تتخلى عن الحقيقة الأساسية: كان على الدولة أن تستعيد سيادتها، وكان عليها بعد ذلك أن تعيد احتضان جميع أبنائها.

عندما تنتهي المعركة يحتاج الوطن إلى الجميع

يعلمنا التاريخ أن أبناء المجتمع الواحد قد يقفون، في لحظات الاضطراب والفتنة، على جبهات متقابلة. وقد يؤمن كل طرف، في حينه، بأنه يؤدي واجبه ويدافع عن قضية مقدسة. كانوا جميعاً أبناء بيئة واحدة تجمعها روابط الدم والجوار والمصالح والمستقبل المشترك.

قد تضع ظروف الصراع أبناء المجتمع الواحد على طرفين متقابلين، لكن عندما يصمت السلاح ويعود الجميع إلى البيت، يصبح الوطن في حاجة إلى كل واحد منهم. ففي البيت الواحد لا يمكن الاستمرار بعقلية الجبهتين؛ لأن الوطن يحتاج إلى جميع أبنائه.

يمكن للدولة أن تحسم المواجهة بقوة جيشها، لكنها لا تبني السلام الاجتماعي إلا بالعدل وسيادة القانون والمواطنة المتساوية. فالحسم العسكري ينهي ازدواجية السلطة، أما المصالحة الوطنية فتعالج آثار المواجهة في النفوس.

الحسين والوحدة الوطنية

كان الملك الحسين يدرك أن استعادة سلطة الدولة لا تكتمل إلا باستعادة وحدة المجتمع. فالحسم العسكري يستطيع إنهاء تعدد السلطات ومراكز السلاح، لكنه لا يستطيع وحده إزالة آثار المواجهة من النفوس أو منع انتقالها إلى الأجيال اللاحقة. وكان يدرك أن الأردن، بعد انتهاء القتال، يحتاج إلى جميع أبنائه، وأن الدولة لا تستطيع بناء مستقبلها إذا بقي المجتمع.

وفي خطابه إلى الشعب في 15 آذار 1972، لخّص الحسين رؤيته لما جرى بقوله:

"وتكسّرت الفتنة على صخرة الوحدة الوطنية الراسخة".

تكمن أهمية هذه العبارة في أنها لم تتحدث عن هزيمة مكوّن اجتماعي أو انتصار مكوّن آخر، وإنما عن انكسار الفتنة أمام وحدة المجتمع. فالفتنة كانت هي الخصم، والوحدة الوطنية كانت الحصن الذي حمى الأردن من التحول إلى بلد ممزق.

وفي كلمات أخرى، عبّر الملك الحسين عن مفهومه للأردن بقوله:

"لقد تأسس هذا الوطن، وطن المهاجرين والأنصار، على قيم الأخوة والمساواة في الحقوق والواجبات والتسامح والوحدة الوطنية المقدسة".

وهذه الكلمات تصلح أساساً أخلاقياً للموقف من أحداث أيلول. فالوحدة الوطنية في فكر الحسين لم تكن دعوة إلى نسيان الأصول، ولا مطالبة لأحد بالتخلي عن ارتباطه بموطنه الاصلي، وإنما كانت تأكيداً أن المواطنة داخل الأردن تقوم على الانتماء إلى الدولة، واحترام القانون، والمساواة في الحقوق والواجبات، والمشاركة في حماية الوطن وبنائه.

وبهذا المعنى، كانت المصالحة بعد أيلول ضرورة وطنية لاستعادة البيت بجميع أبنائه. فقد انتهت المواجهة، لكن الأردن بقي بحاجة إلى كل مواطن قادر على المشاركة في بناء مستقبله.

بين المصالحة والنسيان

المصالحة الوطنية تعني قراءة الماضي بروح مسؤولة، وفهم أسبابه، واستخلاص دروسه، ومنع استخدامه أداة لإثارة الشكوك بين أبناء الشعب.

هناك فرق بين الذاكرة والضغينة. الذاكرة تحفظ الدرس وتساعد على منع تكرار الخطأ؛ أما الضغينة فتنقل الصراع من جيل شارك فيه إلى أجيال لم تكن قد وُلدت عندما وقع. والوطن الذي يورّث أبناءه الخصومات القديمة يعطل قدرته على مواجهة تحديات الحاضر وبناء المستقبل.

ذكرى للمراجعة لا للاحتفال

أرى السابع عشر من أيلول مناسبة للتأكيد أن الأردن دفع ثمناً كبيراً للحفاظ على دولته، ثم بذل جهداً أكبر للحفاظ على مجتمعه موحداً. إن أفضل وفاء لمن سقطوا هو ألا نسمح بتكرار أسباب المواجهة، وألا نورّث أبناءنا كراهيتها.

الوحدة الوطنية تتطلب سيادة القانون على الجميع، والمساواة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص، ومواجهة التمييز، ورفض التشكيك في انتماء المواطن بسبب أصله، أو تحميله مسؤولية أحداث وقعت قبل أن يولد. كما تتطلب خطاباً عاماً مسؤولاً لا يستحضر الماضي للتحريض أو لتسجيل النقاط السياسية.

في السابع عشر من أيلول، نستذكر أن المهمة الوطنية لم تكتمل بانتهاء المواجهة العسكرية، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة حين عاد أبناء المجتمع إلى العيش والعمل وبناء الدولة معاً.

لقد انتهت المعركة، ولا يجوز أن تبقى جبهاتها قائمة في داخلنا. فالأردن وطن واحد، له دولة واحدة ودستور واحد وجيش واحد، وفلسطين قضية حق وعدل تجمع الأردنيين ولا تفرقهم.

قد تضع ظروف القتال أبناء المجتمع الواحد على طرفين متقابلين، أما عندما يعود الجميع إلى البيت فالوطن يحتاج إليهم جميعاً: لحمايته وإعماره وضمان مستقبل أبنائه. فلا يُبنى الوطن بإدامة انتصار بعض أبنائه على بعض، ولا بتوريث بعضهم شعور الكراهية، وإنما بانتصار الجميع على الفتنة والانقسام.