بقلم محمد النجار
هناك مسلسلات تنتهي بانتهاء حلقاتها، وهناك مسلسلات تنتهي الشاشة منها، لكنها لا تنتهي فينا. تظل بعض مشاهدها عالقة في الذاكرة، وبعض كلماتها تعود إلينا بعد سنوات، وكأنها قيلت بالأمس.
ومن هذه الأعمال، يظل «الليل وآخره» واحدًا من أكثر المسلسلات التي وجعت قلوب مشاهديه؛ لأنه لم يكن مجرد حكاية عائلة صعيدية، بل كان حكاية الإنسان حين يضيع منه العمر، وهو يظن أن أمامه دائمًا متسعًا من الوقت.
تبدأ الحكاية مع عائلة المنشاوي، تلك الأسرة التي بدت في البداية نموذجًا للبيت المتماسك؛ تجارة ناجحة، وأبناء متعلمون، ومائدة العائلة تجمعهم جميعًا حولها، وكأن شيئًا في الدنيا قادر على أن يفرّق بينهم.
لكن الحياة لا تترك الأشياء الجميلة دائمًا على حالها.
كان رحيم الابن الأكبر، الرجل الذي حمل مسؤولية أسرته مبكرًا، وضحّى بتعليمه وطموحه من أجل إخوته، حتى شعر أن عمره كله مضى وهو يحملهم على كتفيه.
ثم جاء الحب متأخرًا.
يقع رحيم في حب حسنات، المغنية الشعبية، ويقرر الزواج منها. وهنا تبدأ الشرارة التي ستشعل البيت كله.
يعترض إخوته على زواجه، ويرون أن اختياره لا يليق بمكانة العائلة وصورتها أمام الناس. أما رحيم، فيرى الأمر بصورة مختلفة تمامًا.
لقد أعطاهم عمره، فلماذا لا يحق له أن يختار ما تبقى منه؟
ومن هنا يتحول الخلاف إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، ويصل الأمر برحيم إلى حرمان إخوته من الميراث.
وهكذا، وبهدوء مؤلم، يبدأ البيت الذي كان يجمعهم على مائدة واحدة في التفكك.
تتوالى الأحداث، وتتباعد القلوب، ويأخذ كل واحد طريقه، لكن الزمن لا يكتفي بتفريقهم؛ بل يبدأ بتعليم رحيم الدرس نفسه الذي عجز عن فهمه وهو في قلب الصراع.
فالحياة تعيد أحيانًا المشهد نفسه أمام الإنسان، ولكن من الجهة الأخرى.
وهذا ما يحدث عندما يقف رحيم أمام حب ابنه وجيه، ويرفض زواجه من هناء؛ وكأنه يعيد، دون أن يشعر، التدخل نفسه الذي عانى منه عندما وقف الآخرون في طريق اختياره لحسنات.
لكن المفارقة الأكثر قسوة تأتي لاحقًا.
يحاول رحيم، بعد أن يرى ما فعلته الخصومة بعائلته، أن يصلح ما أفسده، ويسعى إلى إعادة الحقوق إلى إخوته.
إلا أن ابنه وجيه يقف في طريقه، ويتمسك بما آل إليه من مال ومكانة.
وهنا تصبح المأساة أكبر من مجرد خلاف على الميراث.
رحيم أخطأ في حق إخوته، ووجيه أعاد الخطأ في حق أعمامه.
وكأن الأب لم يورث ابنه المال فقط، بل ورّثه أيضًا شيئًا من أخطائه.
وهنا تكمن واحدة من أقسى رسائل المسلسل:
أحيانًا لا يرث الأبناء أموال آبائهم فقط، بل يرثون أيضًا أخطاءهم.
والمشكلة لم تكن في المال وحده، ولا في حسنات، ولا في هناء، ولا حتى في الميراث.
كانت المشكلة في الإنسان عندما يعتقد أن حبه للآخرين يمنحه الحق في أن يقرر عنهم، وأن ما يراه صحيحًا يجب أن يكون صحيحًا للجميع.
كم عائلة فرقتها الأموال؟
وكم أخوة بدأ بينهم الخلاف بسبب ميراث، ثم اكتشفوا بعد سنوات أن ما خسروا من أجله المال كان أقل بكثير مما خسروا من أجله بعضهم؟
وكم أب أو أخ أو قريب تدخل في حياة إنسان يحبه، معتقدًا أنه يحميه، بينما كان في الحقيقة يصنع بينه وبينه جدارًا من الألم؟
لهذا بدا «الليل وآخره» قريبًا من القلب؛ لأنه لم يقدم لنا أشرارًا وملائكة، وإنما قدم بشرًا يخطئون وهم يظنون أنهم على حق. يحبون، ويغضبون، ويتشبثون بمواقفهم، ثم يدفعون ثمنها من أعمارهم.
حتى تتر المسلسل، بصوت علي الحجار وكلمات سيد حجاب، كان جزءًا من هذه الحالة. لم تكن الكلمات مجرد مقدمة، بل كانت كأنها صوت آخر للحكاية، يفتح الباب أمام وجع الشخصيات قبل أن تبدأ الأحداث.
لكن كل هذا الوجع يصبح أكثر وضوحًا في المشهد الأخير…
مشهد القطار.
هنا لم يعد القطار مجرد وسيلة للسفر.
كان العمر نفسه.
رحيم يجلس في القطار، ويستعرض شريط حياته؛ السنوات التي مرت، والأحلام التي تأجلت، والأشخاص الذين خاصمهم، والحب الذي انتظره طويلًا، والأشياء التي ظن يومًا أنها تستحق كل ذلك العناء.
القطار يمضي إلى الأمام، كما يمضي العمر.
لا يستطيع رحيم أن يطلب منه العودة إلى محطة قديمة، ولا يستطيع أن يستعيد لحظة قال فيها كلمة، أو اتخذ فيها قرارًا، أو خسر فيها إنسانًا كان يمكن أن يبقى معه.
والأشد وجعًا أن رحيم يصل في النهاية إلى الفهم... لكن بعد فوات الأوان.
يموت قبل أن يعيش الحلم الذي انتظره طويلًا، وكأن الحياة أرادت أن تقول له إن بعض الأحلام، حين نصل إليها متأخرين، لا تعود تعني الشيء نفسه.
وتأتي كلماته الأخيرة كأنها اعتراف رجل أمضى عمره يركض، ثم توقف فجأة ليكتشف أن السباق انتهى قبل أن يصل:
«مفرقتش في الآخر... بنندم إننا جرينا أكتر من اللازم، وسبقنا الكل، وخلص العمر كمان... كله خلص وفات».
كم هي موجعة هذه الكلمات!
لأنها لا تخص رحيم وحده.
ربما في داخل كل واحد منا شيء من رحيم؛ شيء يؤجل، وشيء يعاند، وشيء يركض خلف المال أو المكانة أو إثبات الذات، ثم يكتشف ذات يوم أن الذين كانوا يستحقون منه الوقت لم يكونوا ينتظرون منه شيئًا سوى أن يكون قريبًا منهم.
وربما الأخطر من ذلك أننا قد نترك لأبنائنا أكثر من المال.
قد نترك لهم غضبنا، وعنَادنا، وخصوماتنا، والطريقة التي تعاملنا بها مع من نحب.
وقد يأتي يوم نكتشف فيه أن أبناءنا يعيدون أمامنا أخطاءنا التي لم ننتبه إليها.
ولهذا ظل «الليل وآخره» حاضرًا في الذاكرة كل هذه السنوات.
لأنه لم يسألنا فقط: ماذا حدث لرحيم؟
بل سأل كل واحد منا:
ماذا لو كنا نحن الذين نركض في ذلك القطار؟
ماذا لو اكتشفنا في آخر الطريق أن بعض الخصومات لم تكن تستحق، وأن بعض الكلمات كان يمكن ألا تُقال، وأن بعض الأحبة كان يمكن أن نبقيهم إلى جوارنا لو أننا منحناهم شيئًا من التسامح؟
قد نملك المال، ونربح المعارك، ونسبق الآخرين، ونحقق الكثير مما أردناه…
لكننا لا نملك أن نطلب من العمر أن ينتظرنا.
فالقطار يمضي، والمحطات تتراجع خلفنا، والأحلام التي نؤجلها قد لا تجدنا حين نصل إليها.
ويبقى السؤال الأكثر قسوة:
حين يصل قطار حياتنا إلى محطته الأخيرة... هل سنكون قد عشنا فعلًا، أم سنكتشف أننا كنا مشغولين طوال الوقت بالركض؟
ففي النهاية، لا يخيفنا أن ينتهي الليل…
بل أن نكتشف، عندما يأتي آخره، أننا أضعنا النهار كله في انتظار الغد.
