لم يكتف المستوطن بطلقة واحدة اصابت قدم الفتى كريم سند شلالدة صاحب الـ 17 ربيعا، بل اتبعها بوابل من الرصاص الذي اخترق جسده ليرتقي شهيدا في مشهد يجسد جانبا من الواقع الاليم في الضفة الغربية. وتكشف المعطيات الميدانية ان حالة شلالدة لم تكن استثناء، بل جاءت ضمن سلسلة اعتداءات دموية نفذها مستوطنون في خربة حمروش ببلدة سعير، مستغلين انشغال الاهالي باداء صلاة الجمعة لتنفيذ هجومهم المباغت الذي تخلله اطلاق نار كثيف واصابات في صفوف المواطنين.
واظهرت احصائيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان قائمة الشهداء الذين ارتقوا برصاص المستوطنين وهجماتهم الجماعية بلغت 76 فلسطينيا منذ بداية الاحداث المتصاعدة. واوضحت البيانات ان الغالبية العظمى من هؤلاء الشهداء سقطوا بعد شهر اكتوبر، حيث شهدت مدن الضفة الغربية الحصة الاكبر من هذه الانتهاكات التي تهدف الى ترويع القرى والبلدات الفلسطينية وزيادة الضغط على السكان العزل.
وبينت الروايات الميدانية ان الهجمات لم تعد تقتصر على الافراد، بل اصبحت تنفذ عبر مجموعات منظمة تقتحم المناطق السكنية وتعتدي على الممتلكات وحظائر الاغنام. واكد والد الشهيد شلالدة ان اكثر من 50 مستوطنا شاركوا في اقتحام قريتهم، مشيرا الى ان من بينهم من كان يرتدي زيا عسكريا ويحمل سلاحا ناريا، مما يطرح تساؤلات حول التنسيق الميداني في هذه الاعتداءات التي انتهت باستشهاد ابنه الذي حاول توثيق لحظات الرعب بهاتفه قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة.
جغرافيا الاستهداف وتمركز الاعتداءات
وكشفت الخرائط الاحصائية ان محافظات رام الله والبيرة ونابلس والخليل تتصدر القائمة من حيث عدد الشهداء، حيث سجلت هذه المناطق وحدها نحو 86% من اجمالي الضحايا الذين سقطوا على ايدي المستوطنين. واكدت التقارير ان قرية المغير شمال شرق رام الله تحولت الى ساحة مواجهة مفتوحة، اذ ارتقى فيها 7 شهداء خلال فترة زمنية متقاربة، وسط تزايد الهجمات التي تنطلق من البؤر الاستيطانية المحيطة بالقرية.
واضافت المعطيات ان محافظة نابلس سجلت 24 شهيدا، مع ملاحظة نمط خطير يتمثل في ارتقاء اكثر من ضحية في الهجوم الواحد، كما حدث في قريوت وقصرة وقرية تل التي فقدت 4 من ابنائها في واقعة واحدة. واكدت هذه الاحداث ان اعتداءات المستوطنين انتقلت من طابعها الفردي العشوائي الى هجمات جماعية منظمة تستهدف تجمعات سكانية بعينها بهدف الترهيب والتهجير القسري.
وتابعت الهيئة في رصدها ان محافظة الخليل سجلت 9 حالات استشهاد، بينما توزع بقية الضحايا على محافظات سلفيت وقلقيلية وضواحي القدس وبيت لحم. واوضحت ان هجوم قرية حجة شرق قلقيلية الذي اسفر عن استشهاد الشاب عمر طوباسي يمثل نموذجا اخر على التدخل المباشر للمستوطنين في حياة القرى الفلسطينية ومحاولة فرض واقع جديد بقوة السلاح.
توسع الاستيطان وتسلح المستوطنين
واكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس وصل الى نحو 780 الف مستوطن يتوزعون على مئات البؤر والمستوطنات التي تسيطر على مساحات شاسعة من الاراضي الفلسطينية. واشارت الى ان هذه البؤر الرعوية اصبحت نقاط انطلاق دائمة للاعتداءات التي تطال حياة وممتلكات الفلسطينيين بشكل يومي.
واوضحت التقارير ان سياسة تسليح المستوطنين اتخذت منحى تصاعديا، حيث تشير بيانات وزارة الامن القومي الاسرائيلية الى حصول عشرات الالاف من المستوطنين على رخص حمل سلاح خلال فترة وجيزة. وشددت الهيئة على ان هذا التوسع في التسلح يمنح المستوطنين غطاء رسميا لتنفيذ اعتداءاتهم تحت ذريعة الدفاع عن النفس، بينما يجد المواطن الفلسطيني نفسه في مواجهة مباشرة مع قوة مسلحة لا تتورع عن القتل في ظل غياب اي رادع قانوني.
وكشفت الارقام ان اكثر من 56 الف اعتداء نفذه المستوطنون وجيش الاحتلال خلال فترة الحرب الاخيرة، مما يعكس استراتيجية ممنهجة لتقويض الوجود الفلسطيني في مناطق الضفة الغربية. واكدت المؤسسات الحقوقية ان استمرار هذا النمط من الهجمات ينذر بمزيد من التصعيد، في ظل غياب اي افق للتهدئة وتزايد نفوذ المجموعات الاستيطانية المتطرفة في اتخاذ القرار الميداني.
