تتواصل حركة عودة اللاجئين السوريين من الاردن الى بلادهم في مشهد يعكس رغبة الكثيرين في استعادة حياتهم السابقة وتجاوز سنوات اللجوء القاسية. وبينما يغادر البعض المخيمات بقلوب مليئة بالامل رغم التحديات الاقتصادية والمخاوف الامنية التي قد تواجههم في الداخل، يظل قرار العودة بالنسبة لاخرين مزيجا من الحنين الى الوطن والقلق من المجهول.

واكد لاجئون في مخيم الزعتري ان قرار الرجوع لا ياتي نتيجة سوء المعاملة في الاردن الذي كان وما زال حاضنة دافئة لهم، بل نابعا من ارتباط فطري بالارض والرغبة في الاستقرار في الوطن الام. واشار مراقبون الى ان وتيرة المغادرة شهدت تباطؤا ملحوظا بعد الطفرة الكبيرة التي سجلت في الاشهر الاولى عقب التطورات السياسية في سوريا، الا ان رحلة العودة ما زالت مستمرة بوتيرة ثابتة.

وبينت بيانات رسمية ان اعداد السوريين في المملكة لا تزال كبيرة، حيث يقيم عشرات الالاف داخل مخيمي الزعتري والازرق، بينما يتوزع مئات الالاف الاخرون في مختلف المحافظات الاردنية. واضافت تقارير المفوضية ان نسبة اللاجئين المقيمين في المخيمات تشكل جزءا محدودا من اجمالي السوريين المسجلين، مما يشير الى ان الجزء الاكبر منهم يعيش ضمن المجتمعات المضيفة.

تغيرات ديموغرافية واقتصادية في مناطق اللجوء

وكشفت التطورات الميدانية في محافظات الشمال الاردني عن اثار ملموسة لرحيل الاف السوريين، حيث بدات ملامح التغيير تظهر بوضوح في قطاع الاسكان والخدمات. واوضحت مصادر محلية ان العديد من الشقق السكنية التي كانت مشغولة من قبل عائلات سورية اصبحت فارغة اليوم، مما دفع بأسعار الايجارات الى التكيف مع الواقع الجديد وانخفاض الطلب.

واشار خبراء اقتصاديون الى ان سوق العمل المحلي تاثر ايضا بمغادرة العمالة السورية التي كانت تشكل ركيزة في قطاعات المطاعم والانشاءات والمهن الحرفية. واكد اصحاب عمل ان تراجع اعداد السوريين خلق فراغا في هذه المهن، مما دفع بالسوق الى البحث عن بدائل من العمالة الوافدة الاخرى لتعويض النقص الحاصل في الايدي العاملة.

واضاف تقرير اقتصادي ان الاثر الاكبر لرحيل السوريين يتركز في طبيعة الانشطة الخدمية اليومية، بينما لا يزال الاردن يحافظ على استقراره الاقتصادي العام. واوضح ان التحدي القادم يتمثل في كيفية موازنة السوق مع الانخفاض التدريجي في الطلب الاستهلاكي الذي كان مرتبطا بوجود كتلة بشرية كبيرة في المناطق الشمالية.

تسهيلات اردنية لدعم العودة الطوعية

وحرصت السلطات الاردنية على تقديم تيسيرات كبيرة لضمان انسيابية حركة العائدين، حيث سمحت وزارة الداخلية بتقديم طلبات خروج رسمية دون تعقيدات بيروقراطية. واكدت التعليمات الجديدة امكانية تقديم الطلبات الكترونيا لمن تجاوز الثامنة عشرة من عمره، بشرط امتلاك جواز سفر سوري ساري المفعول، مع اختصار مدة الموافقة الى اسبوع عمل واحد فقط.

واشارت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الى انها تقدم دعما ماليا مباشرا للعائدين لتسهيل رحلتهم وضمان استدامة عودتهم. واوضحت ان كل فرد من اللاجئين المسجلين اصبح مؤهلا للحصول على مبلغ مالي لدعم تكاليف العودة، مع تخصيص منح اضافية للاسر الاكثر احتياجا لضمان توفير متطلباتهم الاساسية في المرحلة الاولى من وصولهم.

وبينت المنظمة الاممية انها تواصل تقديم المشورة القانونية واللوجستية للاجئين الراغبين في المغادرة، مؤكدة ان دورها يتركز في تقديم المعلومات الدقيقة حول الاوضاع في سوريا لتمكين العائلات من اتخاذ قرارات مدروسة. وتستمر جهود التنسيق بين الجهات الاردنية والمنظمات الدولية لضمان ان تتم كافة عمليات العودة في اطار طوعي وامن يحفظ كرامة اللاجئين.