بين جدران متصدعة واجهزة نال منها القصف تقف ارادة شباب غزة صلبة في وجه واقع فرضته الحرب والنزوح. يسعى هؤلاء الشبان داخل صالات اللياقة البدنية المتواضعة الى استعادة عافيتهم الجسدية التي تلاشت بفعل المجاعة ونقص الغذاء والظروف المعيشية القاسية التي حولت اجسادهم الى هياكل منهكة. لا تبحث هذه الفئة عن عضلات مفتولة فحسب بل تحاول جاهدة انتزاع لحظات من السكينة وسط ضجيج التحديات اليومية.

واظهرت المشاهد اليومية داخل هذه الصالات ان المكان تحول الى مساحة نفسية بالدرجة الاولى لتفريغ الضغوط الهائلة التي خلفها الدمار. وبينما يرفع الشبان الاثقال المتبقية بما توفر من معدات بدائية يدرك الجميع ان العودة الى ممارسة الرياضة هي محاولة لاستئناف الحياة التي توقفت منذ اندلاع الحرب على القطاع. واكد الشبان ان التمارين اصبحت المتنفس الوحيد لهم في ظل انعدام سبل الترفيه وصعوبة ممارسة الحياة الطبيعية كما كانت في السابق.

وبين الشاب محمود بنات ان المواظبة على التدريب رغم شح الامكانيات ونقص المكملات الغذائية باتت طقسا يوميا لا غنى عنه. واضاف ان الصالات تستقبل فئات عمرية متنوعة تبحث عن بصيص امل في استعادة النشاط البدني المفقود. واشار الى ان ممارسة الرياضة ساعدته شخصيا في تحسين حالته النفسية رغم الحصار المطبق ونقص كل مقومات الحياة الاساسية التي يحتاجها الرياضي لبناء جسمه.

استعادة ما سلبته الحرب

وكشفت تجربة الشاب ابراهيم غبن عن قسوة الايام التي مرت على سكان غزة حيث فقد نحو اربعين كيلوغراما من وزنه خلال فترة المجاعة والظروف القاسية. واوضح ان عودته لصالة الرياضة تهدف بالاساس الى استعادة كتلته العضلية التي خسرها خلال شهور الحرب الطويلة. وشدد على ان الرياضة بالنسبة له ليست مجرد هواية بل هي وسيلة دفاعية لمواجهة الانهيار الجسدي والنفسي الذي تتركه ويلات النزاع.

واشار يمان زقوت الى ان الصعوبات تتجاوز خسارة الوزن لتصل الى تعقيدات الحركة والتنقل بين احياء غزة المدمرة. وبين ان نقص الغذاء الصحي وتضاعف اسعار المواد الغذائية جعلا من عملية بناء الجسم تحديا معقدا ومكلفا. واكد ان الوصول الى صالة التدريب اصبح رحلة شاقة تتطلب وقتا وجهدا مضاعفا في ظل تضرر الطرق ووسائل النقل التي كانت متاحة قبل الازمة.

واضاف زقوت ان غياب التنوع الغذائي ونقص الفيتامينات اصبحا ظاهرة عامة تؤثر على كل الغزيين وليس الرياضيين فقط. واوضح ان التحديات لا تتوقف عند حدود الصالة بل تمتد لتشمل غلاء المعيشة وصعوبة توفير البدائل الغذائية الضرورية لتعويض المجهود البدني المبذول. وخلص الى ان الاصرار على التدريب هو رسالة تحدي للواقع الصعب الذي يعيشه الشباب في القطاع.

دوافع تتجاوز اللياقة البدنية

وبين مدرب اللياقة مصطفى عويضة ان اعمار المشتركين تتراوح بين السادسة عشرة والستين عاما مما يعكس الحاجة الملحة للجميع للهروب من ضغوط الخيام ومراكز الايواء. واضاف ان الصالة اصبحت ملاذا يفرغ فيه المشتركون طاقتهم السلبية لساعة واحدة قبل العودة الى واقعهم المرير. واشار الى ان ارتفاع اسعار المكملات الغذائية دفع الكثيرين للاعتماد على بدائل محلية لتعويض النقص في العناصر الغذائية.

وكشف محمد ابو حرب مالك احدى الصالات ان اعادة افتتاح مشروعه كانت معجزة صغيرة وسط الركام حيث تم انتشال الاجهزة من تحت الانقاض واصلاحها يدويا. واوضح ان الاحتلال يمنع ادخال المعدات الرياضية الجديدة مما يضطرهم للعمل بما هو متاح من مخزون قديم. وشدد على ان تكاليف الصيانة الباهظة تضع اصحاب الصالات امام خيار صعب بين الاستمرار او الاغلاق النهائي.

واكد ابو حرب انه يحرص على تقديم تسهيلات مادية للعمال والايتام والفقراء لتمكينهم من مواصلة التدريب كنوع من التكافل الاجتماعي. وبين ان الرياضة تظل واحدة من المساحات المحدودة التي تمنح سكان غزة شعورا مؤقتا بالاستقرار. واضاف ان الارادة التي يبديها الشباب في صالات غزة المدمرة تعكس رغبة فطرية في الحياة واعادة بناء ما دمرته الحرب في ارواحهم واجسادهم.