بقلم: نانسي السيوري
لم تعد مشاركة الشباب في الحياة السياسية ترفًا أو عنوانًا يُستدعى في مواسم الانتخابات. فالشباب يعيشون اليوم أسئلة المجتمع وتحدياته، ومن الطبيعي أن يجدوا مساحة حقيقية لفهم السياسة وممارستها والمساهمة في صياغة الأفكار التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
ومن هنا تأتي أهمية الحاضنة الحزبية. فالحزب لا ينبغي أن يكون مجرد بطاقة عضوية، بل بيئة يتعلم فيها الشاب كيف يقرأ الواقع، ويفهم السياسات العامة، ويناقش المختلف، ويحوّل المشكلة إلى فكرة، والفكرة إلى موقف قابل للنقاش والعمل.
وفي هذا السياق، أرى في الحزب المدني الديمقراطي الأردني تجربة تستحق التوقف عندها، ليس فقط من زاوية العمل الحزبي، وإنما من خلال المساحة التي يمكن أن يوفرها للشباب للتعلم والمشاركة والممارسة السياسية. فالحزب المدني، في جوهر فكرته، يفترض أن تكون المواطنة والمشاركة والديمقراطية والعمل العام مساحات مفتوحة أمام الجميع، وأن يكون الشباب جزءًا من صناعة القرار لا مجرد متلقين له.
وبالنسبة لي، لم تكن التجربة الحزبية مجرد انتساب. اكتشفت من خلالها أن الحماس وحده لا يكفي، وأن الموقف السياسي يحتاج إلى معرفة وحجة، وأن الاختلاف ليس خصومة، وأن المسؤولية لا تُكتسب بالحديث عنها وإنما بالممارسة. والأهم أنني أدركت أن الشاب لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر حاجته إلى مساحة يتعلم فيها كيف يصوغ صوته بنفسه.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب: ألا يتحول الشباب إلى مجرد حضور في الصور أو أرقام في قوائم العضوية، بل أن يجدوا طريقًا واضحًا للتعلم والمبادرة وتحمل المسؤولية والمشاركة في صياغة الأفكار والسياسات.
كما أن الحاضنة الشبابية لا تعني أن ننتظر من الشاب أن يصبح قائدًا بعد سنوات، بل أن نمنحه فرصة التعلم والممارسة من الآن. فتنظيم مبادرة، وقيادة نقاش، وكتابة فكرة، والدفاع عن موقف، والمشاركة في صناعة برنامج أو مقترح، كلها خطوات صغيرة يمكن أن تصنع خبرة سياسية حقيقية.
إن تجربة الحزب المدني الديمقراطي الأردني تفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز تجربة حزب بعينه: هل نريد من الشباب أن يكونوا جمهورًا للسياسة، أم نريد أن نساعدهم على فهمها وممارستها وصناعة أثرهم فيها؟
بالنسبة لي، الإجابة تبدأ من الحاضنة التي تمنح الشاب المعرفة قبل المنصب، والمسؤولية قبل اللقب، والمساحة التي تسمح له بأن يتعلم ويختلف ويقترح ويجرب ويترك أثرًا.
فالحزب الذي يبني الإنسان السياسي، لا يبني عضوًا فقط؛ بل يساهم في بناء جيل أكثر وعيًا بالمواطنة، وأكثر قدرة على المشاركة، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية الحياة العامة.
