يعيش النازحون في قطاع غزة واقعا مريرا يفرض عليهم التعامل مع مخاطر بيئية وصحية جسيمة، حيث تحولت الحفر الامتصاصية البدائية إلى تهديد صامت يتربص بحياتهم داخل المخيمات المكتظة. ويضطر آلاف النازحين، وعلى رأسهم سعيد نعيم الذي نزح من بيت حانون، إلى حفر حفر جديدة بشكل دوري مع امتلاء سابقاتها، وسط مخاوف حقيقية من انهيار التربة الرخوة تحت خيامهم البسيطة. ويؤكد الواقع الميداني أن انهيار شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة نتيجة الحرب جعل من التخلص من المياه العادمة معضلة يومية لا حل لها سوى هذه الوسائل الخطرة.

واقع بدائي ومخاطر متصاعدة

واضاف نعيم في حديثه ان منطقة الجندي المجهول التي تحولت إلى مأوى للخيام تشهد تكرارا لسيناريو الحفر العشوائي، مبينا ان غياب خدمات الشفط الدورية يجبر العائلات على المخاطرة بحياتها. واوضح ان بعض الحوادث شهدت هبوطا مفاجئا في التربة كاد يودي بحياة اطفال، مشددا على ان القلق لا يفارق النازحين حتى بعد الانتهاء من الحفر بسبب ضعف التربة وتشبعها بالمياه العادمة. وكشفت شهادات ميدانية لم نازحين آخرين مثل محمود بردع ان التهديد لا يقتصر على الروائح الكريهة، بل يمتد ليشمل مخاطر صحية مباشرة على الأطفال الذين يعانون من ضعف المناعة في ظل ظروف النزوح القاسية.

تهديد الخزان الجوفي

وبين مدير عام مصادر المياه منذر سالم ان حجم الكارثة البيئية يتجاوز سطح الأرض ليصل إلى باطنها، مؤكدا ان تسرب مياه الصرف الصحي من ملايين الحفر الامتصاصية يضع ضغطا هائلا على الخزان الجوفي. واظهرت الدراسات ان نحو ثمانين بالمئة من المياه التي تصل للمواطنين تعود لتتحول إلى مياه عادمة، موضحا ان غياب البنية التحتية دفع المياه للبحث عن مسارات بديلة تتسرب عبرها إلى طبقات الأرض. واضاف ان التقديرات تشير إلى وجود اكثر من مليون حفرة امتصاصية تم انشاؤها منذ بداية الحرب، مما يجعل التلوث المائي امرا حتميا يهدد مصادر المياه العذبة الوحيدة في القطاع.

امراض تستفحل

واكد الخبير البيئي سعيد العكلوك ان المخاطر لا تتوقف عند حدود التلوث الكيميائي والبكتيري للمياه الجوفية، بل تتعداها لتشمل انتشارا واسعا للامراض الجلدية والتهابات الجهاز الهضمي. واشار إلى ان الفحوصات المخبرية لعينات من آبار المياه اظهرت مستويات مرتفعة جدا من الملوثات البرازية والفيروسات، مبينا ان الاعتماد على هذه الآبار في الاستحمام والغسيل يزيد من فرص انتقال العدوى بين النازحين. وحذر من ان المناطق الساحلية هي الاكثر تضررا نظرا لقرب الخزان الجوفي من سطح الارض، مشددا على ان الوضع الراهن يمثل تهديدا طويل الامد للصحة العامة يتطلب تدخلا عاجلا لوقف التدهور البيئي.