شهدت جولة الفنان البريطاني الشهير اد شيران الغنائية العالمية تحولات سياسية غير مسبوقة، حيث تحول هتاف بسيط داعم للقضية الفلسطينية إلى صدام علني مع نفوذ ملاك الملاعب والمسارح في الولايات المتحدة، وذلك بعد استبعاد مغني الراب ماكليمور الذي اعلن موقفه الصريح تجاه ما يجري في غزة. واظهرت هذه الازمة تداخل الفن بالسياسة بشكل معقد، وكشفت عن مدى تأثير المليارديرات الداعمين للاحتلال في توجيه العروض الفنية ومنع الاصوات المعارضة لسياساتهم داخل المساحات العامة والخاصة.
وبينت الوقائع أن الملياردير روبرت كرافت كان المحرك الاساسي لهذه الضغوط، وهو رجل اعمال يهودي بنى ثروته في قطاع الورق قبل ان يصبح قطبا رياضيا بارزا. واكدت التقارير ان كرافت الذي يمتلك فريق نيو انغلاند باتريوتس وملعب غيليت، استخدم نفوذه الواسع في الاوساط السياسية الامريكية لفرض قيود على المحتوى الفني، مستغلا ملكيته للمنشآت الرياضية الكبرى التي تستضيف جولات النجوم العالميين.
واضافت المعطيات ان كرافت يعد من ابرز الداعمين الماليين والسياسيين لاسرائيل، حيث حصل عام 2019 على جائزة بريشيت من رئيس الوزراء الاسرائيلي، كما ورد اسمه في وثائق مثيرة للجدل مرتبطة بشخصيات مدانة، مما يضع نشاطه في دائرة الضوء باستمرار. وشدد المراقبون على ان تحركاته ضد ماكليمور لم تكن فردية، بل جاءت ضمن حملة منسقة مع مالكي ملاعب اخرين لضمان عدم خروج اي فنان عن الخط السياسي الذي يرتضونه.
كيف بدات شرارة التوتر في الملاعب؟
وبدات القصة في الرابع من سبتمبر الجاري، عندما صعد ماكليمور على مسرح ملعب ميتلايف في نيوجيرسي ليهتف بعبارة فلسطين حرة امام الالاف، وهو الموقف الذي اثار سخطا عارما لدى الملاك الذين ينتمون لتيارات داعمة لاسرائيل. واوضحت الاحداث ان هذا الهتاف شكل نقطة تحول في الجولة، حيث وجد اد شيران نفسه محاصرا بين مطرقة الضغوط المالية وسندان التزامه الفني، بعد ان حاول طويلا الحفاظ على الحياد السياسي.
واكدت منشورات ماكليمور عبر حساباته الرسمية ان كرافت ابلغ شيران بشكل مباشر بمنع مغني الراب من الصعود على مسرح غيليت، مهددا بالغاء الحفلات بالكامل في حال عدم الاستجابة. واوضحت مصادر ان هذا التهديد امتد ليشمل ملاعب اخرى، مما اضطر شيران لاستبعاد ماكليمور من العروض الافتتاحية، وهو القرار الذي لاقى انتقادات حادة من الجمهور والفنانين على حد سواء.
وبينت ردود الفعل انسحاب اربعة فنانين اخرين تضامنا مع ماكليمور، مما ترك شيران في حالة من العزلة الفنية. واكد منتقدون ان خضوع شيران لهذه الضغوط يعكس ضعفا في مواجهة تغول اصحاب النفوذ المالي على حرية التعبير، وانطلقت دعوات واسعة لمقاطعة حفلاته الغنائية ردا على تكميم الافواه.
تحولات موقف شيران والاعتذار العلني
وخرج اد شيران عن صمته في حفل فيلادلفيا، حيث اعتذر لجمهوره عن قراراته السابقة واصفا اياها بالخاطئة. واكد في كلمته ان قلبه ينفطر لما يشهده قطاع غزة من دمار، معتبرا الحرب غير متناسبة ومرفوضة، ومنتقدا في الوقت ذاته ممارسات الحكومة الاسرائيلية في الضفة الغربية.
واضاف شيران ان فرض الرقابة المسبقة وتدقيق المحتوى من قبل اصحاب الملاعب يعد امرا لا ينبغي ان يحدث في العالم الحر. واشار الى انه اضطر للاستعانة بموسيقيين بدلاء في وقت قياسي بعد تخلي الجميع عنه، مؤكدا ان التجربة كانت قاسية وكشفت له حجم التحديات التي يواجهها الفنانون حين يقررون التحدث بصدق.
واظهرت المظاهرات التي خرجت في محيط حفله انقساما في الشارع الامريكي، حيث رفع المتظاهرون الاعلام الفلسطينية مطالبين بالحرية لغزة، بينما تباينت اراء الجمهور الحاضر بين من يرى ضرورة فصل الفن عن السياسة وبين من يدعم الموقف الاخلاقي للفنانين تجاه المأساة الانسانية المستمرة منذ اكتوبر من العام الماضي.
