تشهد الخريطة العسكرية في اقليم تيغراي شمال اثيوبيا تغيرات دراماتيكية بعد ان تمكنت القوات الفيدرالية وحلفاؤها من بسط نفوذها على معظم المدن الاستراتيجية عقب انسحاب مفاجئ لقوات جبهة تحرير تيغراي. وتثير هذه التطورات تساؤلات واسعة حول ما اذا كانت هذه الانسحابات مجرد تكتيك عسكري ام انها تمثل السقوط الفعلي لنفوذ الجبهة التي حكمت الاقليم لسنوات طويلة. واظهرت المشاهد الميدانية تعاونا لافتا من الاهالي مع القوات الحكومية في المناطق التي تمت استعادتها مؤخرا. وبينت مصادر مطلعة ان القوات المسلحة نجحت في الاستيلاء على مخازن اسلحة ضخمة تابعة للمتمردين وسط تقارير تفيد باستسلام اعداد كبيرة من عناصر الجبهة امام الزحف الفيدرالي.
واكد مسؤولون اثيوبيون ان الحرب في الاقليم اقتربت من نهايتها بعد ان فرضت الحكومة سيطرتها على نحو خمسة وتسعين بالمئة من المناطق الحيوية بما في ذلك العاصمة ميكيلي. واضافت المصادر ان وصول وفد حكومي رفيع المستوى يضم قيادات امنية واستخباراتية الى ميكيلي واستئناف الرحلات الجوية يمثل مؤشرا قويا على عودة سلطة الدولة المركزية الى الاقليم الذي شهد توترات حادة خلال الاسابيع الماضية. وشدد مراقبون على ان هذه الخطوات تهدف الى ترسيخ الاستقرار ومنع اي محاولات لزعزعة الامن مجددا.
واوضح خبراء في الشؤون الافريقية ان التراجع الميداني للجبهة يعود الى تراكم الاخطاء السياسية والادارية التي افقدتها الحاضنة الشعبية التي كانت تعتمد عليها. وبينت التحليلات ان ظهور قوى محلية منافسة مثل حزب التضامن الديمقراطي لتيغراي يمهد الطريق لمرحلة سياسية جديدة تعتمد على التعددية بدلا من احتكار السلطة الذي مارسته الجبهة طويلا. واشار محللون الى ان القوات الحكومية تواجه تحديات امنية مؤقتة لكنها لا ترقى لمستوى التهديد الاستراتيجي الذي كان قائما قبل التحرك العسكري الاخير.
مستقبل اقليم تيغراي بين الاستقرار وحرب الاستنزاف
وذكر خبراء ان النجاح في السيطرة على المدن لا يعني بالضرورة انتهاء التحديات بشكل كامل خاصة في المناطق الريفية والجبلية. واضافوا ان المرحلة القادمة ستحددها قدرة الحكومة على بناء مؤسسات ادارية تحظى بقبول السكان وتوفير الخدمات الاساسية التي تضررت بفعل النزاعات المتكررة. واكدوا على اهمية دمج القوات المسلحة المحلية ضمن هيكل امني وطني موحد لضمان عدم عودة الجماعات المسلحة للظهور مجددا.
وتابع المحللون ان هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لما سيؤول اليه الوضع في شمال اثيوبيا خلال الفترة المقبلة. وبينوا ان السيناريو الاول يتمثل في نجاح الحكومة في تثبيت الاستقرار المؤسسي والسياسي في الاقليم عبر الادارة التوافقية. واشاروا الى ان السيناريو الثاني يكمن في تحول الجبهة نحو حرب عصابات في المناطق الوعرة مما قد يطيل امد الازمة. واوضحوا ان السيناريو الثالث يرتبط بالتداعيات الاقليمية المحتملة في حال استمرت التوترات مع الجوار خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة بشأن دعم اطراف خارجية للنزاع.
وختم المراقبون بان الكرة الان في ملعب الحكومة الاثيوبية التي يتعين عليها استثمار هذا الانتصار العسكري لتحقيق مصالحة وطنية شاملة. واضافوا ان نجاح التجربة في تيغراي سيكون المعيار الحقيقي لقدرة اديس ابابا على ادارة التنوع العرقي والسياسي في البلاد وتجاوز عقود من الصراعات المركزية. وشددوا على ان التحدي الاكبر يظل في كيفية بناء عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق كافة المكونات في اقليم تيغراي بعيدا عن سياسات الاقصاء.
