تصاعدت حدة المخاوف من محاولات اسرائيلية ممنهجة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الاقصى المبارك، وذلك في ظل التزايد الملحوظ في اعداد المستوطنين الذين يقتحمون باحاته بشكل يومي، وممارسة طقوس دينية علنية تحت حماية مشددة من الشرطة الاسرائيلية، مما ينذر بفرض واقع جديد يمهد لتقسيم المكان زمانيا ومكانيا.

واظهرت بيانات محافظة القدس ان اعداد المقتحمين سجلت ارقاما قياسية خلال المواسم الاخيرة، حيث اقتحم المسجد اكثر من احد عشر الف مستوطن في فترة وجيزة مرتبطة بالاعياد اليهودية، فضلا عن تسجيل عشرات الالاف من المقتحمين خلال الربع الثالث من العام الحالي، وسط مشاركة لافتة من وزراء واعضاء في الكنيست وقيادات جماعات الهيكل المتطرفة.

وكشفت التقارير الميدانية ان هذه الاقتحامات لم تعد مجرد جولات عابرة، بل تحولت الى ممارسات منظمة تشمل اداء صلوات جماعية، والسجود، والنفخ بالبوق، وادخال رموز دينية، مما يعكس استراتيجية تهدف الى فرض السيادة الاسرائيلية على المسجد وتجاوز الخطوط الحمراء المتعارف عليها.

مخاطر تحويل الطقوس الاستثنائية الى واقع مفروض

وبين مستشار محافظة القدس معروف الرفاعي ان ما يشهده المسجد الاقصى يتجاوز الاقتحامات التقليدية الى محاولات تغيير جوهري في طبيعة الممارسات داخله، موضحا ان خطورة المشهد تكمن في تراكم هذه الاجراءات وتحولها تدريجيا الى ممارسات معتادة، بما يمهد الطريق لفرض تقسيم زماني او مكاني يضيق الخناق على المصلين المسلمين.

واكد الرفاعي ان متابعة طبيعة الطقوس التي يؤديها المقتحمون والمواقع التي يتركزون فيها، تظهر بوضوح نية الاحتلال لتخصيص اوقات للمستوطنين وتقييد دخول المسلمين، وهو ما توثقه تقارير المحافظة بشكل دوري من خلال رصد التضييق على موظفي الاوقاف الاسلامية والاعتداء على حرمة المسجد.

واضاف الباحث علي الاعور ان اكثر من تسعة وستين الف مستوطن اقتحموا المسجد منذ بداية العام، مشيرا الى ان الحكومة الاسرائيلية الحالية تشجع هذه الاقتحامات في اطار توجهات اليمين المتطرف الساعي لاستقطاب التيار الديني القومي، مؤكدا ان امتلاك القوة لا يمنح الاحتلال اي شرعية او سيادة على هذا المكان المقدس.

مسارات قانونية وسياسية لفرض السيطرة على الاقصى

واوضح الاكاديمي حسين الديك ان المسار التراكمي للاقتحامات يهدف الى تكريس طقوس دينية داخل الباحات، لافتا الى ان بعض الجماعات المتطرفة لجأت بالفعل الى المحكمة العليا الاسرائيلية للمطالبة بالسماح لليهود بدخول المسجد ايام السبت، وهو ما قد يؤدي الى قرارات قضائية تنسف الوضع القائم منذ سنوات طويلة.

وذكر الباحث محمد هلسة ان التوجهات الاسرائيلية تسعى جاهدة لتحويل المسجد الاقصى من مكان اسلامي خالص الى مكان عبادة مشترك، موضحا ان وزير الامن القومي ايتمار بن غفير يستغل الانقسام الاقليمي والحسابات السياسية الداخلية لدفع هذه الاجراءات، معتبرا ان الحكومة الاسرائيلية تتعامل مع هذه الانتهاكات كخطوات امنية قابلة للاحتواء.

واشار مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري الى ان هذه التحركات تأتي في سياق هدف معلن وهو اقامة الهيكل المزعوم، موضحا ان تخصيص اموال حكومية لمشاريع مرتبطة بهذا الهدف، وتداول نماذج تجسد الهيكل، يعكسان جدية النوايا الاسرائيلية في تغيير الواقع القائم وتهيئة الظروف لفرض تصورات جديدة تماما لمستقبل المسجد الاقصى.