يعيش الصحافيون في تونس اليوم واقعا مغايرا عما اعتادوا عليه في سنوات ما بعد الثورة، حيث تحولت منصات الاعلام المستقلة من ساحات للنقاش الحر الى ميادين محفوفة بالمخاطر. كشف الواقع الميداني عن وجود عدد من الاعلاميين خلف القضبان، بينما اضطر آخرون لاختيار طريق المنفى القسري هربا من ملاحقات قضائية باتت تلاحق كل من يجرؤ على انتقاد الوضع القائم. واظهرت المشاهد اليومية في غرف التحرير ان المهنة التي كانت يوما رمزا للانفتاح، اصبحت تواجه تحديات وجودية تهدد استمراريتها وتضع العاملين فيها في دائرة الاستهداف المباشر.

واقع جديد لحرية التعبير

وبين زياد الدبار، نقيب الصحافيين التونسيين، ان تونس تمر بمرحلة غير مسبوقة من التضييق على العمل الاعلامي، حيث يواجه نحو 20 صحافيا دعاوى قضائية بسبب منشوراتهم وتقاريرهم. واكد ان هذه الملاحقات تشمل مختلف وسائل الاعلام، مما يعكس تصاعد الضغوط على حرية الصحافة التي كانت تعد ابرز مكتسبات التحول الديمقراطي في البلاد. واشار الى ان السلطات تبرر هذه الاجراءات بكونها مسائل قانونية محايدة، بينما يرى الحقوقيون ان المشهد العام يعكس تراجعا كبيرا في مؤشرات الحريات الدولية.

واوضح مراقبون ان المناخ السياسي شهد تحولات جذرية منذ عام 2021، حيث ادت التغييرات الدستورية وتركيز السلطات الى تغيير قواعد اللعبة الاعلامية بشكل كلي. واضافوا ان تونس تراجعت عشرات المراكز في مؤشر حرية الصحافة العالمي، مما يعزز مخاوف المنظمات الحقوقية من استمرار حملة القمع الشاملة ضد الاصوات الناقدة. وبينوا ان حالة الغموض في القوانين والحدود الفاصلة بين العمل الصحافي المباح والمحظور اصبحت تمثل حقل الغام حقيقي للفاعلين في هذا القطاع.

تحديات المهنة في المناطق الرمادية

وذكر ايمن الرزقي، رئيس تحرير منصة نواة، ان العمل في الصحافة التونسية اليوم يشبه السير في حقل الغام متحرك، حيث تتداخل القيود الادارية مع الضغوط القضائية والتهديدات الالكترونية. واضاف ان الحدود التي كانت واضحة في السابق اصبحت الان رمادية ومتقلبة، مما يجعل الصحافي عرضة للمساءلة في اي لحظة دون سابق انذار. وشدد على ان منصته الاعلامية تعرضت لعدة مضايقات، شملت تعليق النشاط وتهديدات مستمرة من اطراف مجهولة او مؤيدة للسلطة بسبب تغطية قضايا خدمية واجتماعية حساسة.

وكشف محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع الكتيبة، عن معاناته بعد اعتقاله بتهم وصفها بالملفقة، مؤكدا في رسالة من سجنه ان استقلالية الصحافة ليست امتيازا بل شرط اساسي لخدمة المجتمع. واكد ان المؤسسات الاعلامية المستقلة ترفض التحول الى ابواق للدعاية، وتتمسك بدورها الرقابي رغم كل محاولات التدجين والرقابة. وبين ان اعتقال الصحافيين اصبح يتخذ طابعا ممنهجا يهدف الى اسكات الاصوات التي ترفض تمرير اجندات السلطة وتصر على كشف الحقائق.

واشار تقرير حقوقي الى ان عددا من الصحافيين البارزين اضطروا لمغادرة تونس نحو الخارج لتجنب السجن بعد صدور احكام غيابية ضدهم. واضاف ان هؤلاء الاعلاميين، ومن بينهم خولة بوكريم وهيثم المكي، وجدوا انفسهم امام خيار وحيد وهو المنفى للحفاظ على حريتهم بعد ان تحولت كتاباتهم ومواقفهم الناقدة الى مبررات للملاحقة القضائية. واكد ان هذا النزيف في الكفاءات الاعلامية يعكس عمق الازمة التي يعاني منها قطاع الاعلام في ظل غياب الضمانات القانونية الضرورية.

الكلفة الانسانية لتكميم الافواه

وبينت ثريا الزواري، زوجة الصحافي المعتقل زياد الهاني، ان الكلفة الانسانية لهذه الملاحقات تتجاوز الصحافي لتطال اسرته وتدمر استقرار حياتهم اليومية. واضافت ان عائلات الصحافيين المسجونين تعيش تحت ضغوط نفسية كبيرة، في محاولة منها للصمود امام واقع فرضته القرارات القضائية الاخيرة. واكدت ان التشبث بالكلمة الحرة يظل هو الخيار الوحيد امامهم رغم قسوة الظروف التي تفرضها السلطات على الناقدين.

وكشف متابعون للمشهد الاعلامي ان البرامج التلفزيونية والاذاعية فقدت بريقها التعددي، حيث اختفت برامج السخرية السياسية والنقاشات الجريئة التي كانت تميز تونس. واضافوا ان الاعلام العمومي اصبح يميل بشكل واضح نحو الدعاية الرسمية، مع تهميش متعمد للاصوات المعارضة والمبادرات المدنية. وشددوا على ان غياب الاعتمادات الرسمية للمراسلين الاجانب ومنع الصحافيين من التغطية الميدانية في الوزارات يمثلان حلقة جديدة في سلسلة تقييد الوصول الى المعلومة.

واكدت نقابة الصحافيين ان التحدي القادم يتمثل في كيفية الحفاظ على ما تبقى من مساحة للعمل الصحافي في بيئة تزداد فيها القيود يوما بعد يوم. واضافت ان استمرار اعتقال الصحافيين وملاحقة المؤسسات الاعلامية سيزيد من عزلة تونس الحقوقية ويضعف من مصداقية المؤسسات الرسمية امام المجتمع الدولي. وبينت ان النضال من اجل حرية التعبير يظل هو المحرك الاساسي للصحافيين التونسيين الذين يتمسكون بحقهم في قول الحقيقة رغم كل المخاطر.