شهدت العاصمة اللبنانية بيروت تحركا ايرانيا لافتا تزامن مع اتصال هاتفي اجراه وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي برئيس الجمهورية جوزيف عون، حيث وصل مساعده سعيد خطيب زادة الى بيروت في زيارة حملت في طياتها رسائل سياسية متعددة الاتجاهات. واوضحت مصادر مطلعة ان طهران تسعى من خلال هذا التحرك الى اعادة تثبيت حضورها في المشهد السياسي اللبناني، خاصة بعد فترة من الفتور التي اعقبت سحب اوراق اعتماد السفير الايراني السابق، مؤكدة ان الحضور الايراني يهدف الى استيعاب التوترات السياسية القائمة.

واكد عراقجي خلال اتصاله بالرئيس عون على ضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية كخيار وحيد لانهاء النزاعات في المنطقة، مشددا على تمسك بلاده بمذكرة التفاهم الايرانية الامريكية وضرورة تنفيذ كافة بنودها. واضافت المصادر ان عراقجي حمل الادارة الامريكية المسؤولية الكاملة عن تعثر تنفيذ هذه المذكرة، متهما واشنطن بوضع شروط تعجيزية كلما اقتربت الاطراف من التوصل الى صيغة نهائية للحل، ومشيرا الى ان طهران ترفض التهديدات المستمرة بالعودة الى لغة الحرب.

وبينت التحركات ان زيارة خطيب زادة الى بيروت لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل جاءت لاستطلاع هواجس الثنائي الشيعي والوقوف على رؤيتهم للمستقبل السياسي والامني. واشارت المصادر الى ان لقاءات زادة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وقيادة حزب الله تهدف الى تنسيق المواقف في ظل استمرار تمسك السلطة اللبنانية باتفاق الاطار، وهو الامر الذي تراقبه طهران بدقة في محاولة لضمان عدم خروج الملف اللبناني عن دائرة نفوذها الاستراتيجي.

رسائل متناقضة واجندات اقليمية

وكشفت اللقاءات الصحفية التي اجراها خطيب زادة عن لهجة اكثر حدة مقارنة بالخطاب الدبلوماسي لعراقجي، حيث اعتبر زادة ان المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل لن تفضي الى نتائج ملموسة في ظل الاحتلال القائم. واضاف ان المقاومة ستظل خيارا ضروريا ما دامت الارض محتلة، نافيا وجود علاقة تراتبية بين طهران وحزب الله، ومؤكدا ان الحزب يتخذ قراراته الميدانية والسياسية بشكل مستقل عن التدخلات الخارجية.

واظهر زادة تشكيكا كبيرا في جدوى المفاوضات الايرانية الامريكية، معتبرا ان واشنطن تعاني من تشتت داخلي يمنعها من الالتزام بتعهداتها. واوضح ان بلاده تستعد لأسوأ الاحتمالات في مواجهة التهديدات الامريكية، مشددا على ان شوكة الولايات المتحدة قد انكسرت ولن تتمكن من فرض ارادتها على المنطقة، وهو ما يعكس استمرار النهج التصعيدي لبعض الاجنحة داخل السلطة الايرانية.

وتطرق زادة الى الملف السوري، مبينا ان ايران ليست في عجلة من امرها لاعادة تفعيل التواصل مع دمشق، وواصفا السياسة التركية بانها ارتكبت اخطاء استراتيجية اثرت على التوازنات الاقليمية. واكد ان ايران تتابع بدقة التطورات الميدانية في سوريا، معتبرة ان المرحلة الحالية تتطلب حذرا شديدا في ظل التداخلات الدولية والاقليمية التي تشهدها المنطقة.

مستقبل التوتر اللبناني الايراني

وشددت التحليلات السياسية على ان التناقض بين دبلوماسية عراقجي وتشدد خطيب زادة يطرح تساؤلات حول وجود رؤيتين داخل طهران تجاه الملف اللبناني. وبينت المصادر ان هذا التباين قد يكون محاولة لتمرير رسائل مزدوجة تجمع بين التهدئة السياسية والصلابة الميدانية، خاصة في ظل رفض اكثرية القوى اللبنانية لاي خيارات عسكرية قد تعيد البلاد الى دوامة الحروب.

واكدت المصادر ان الزيارة لم تحقق اختراقا في الموقف الرسمي اللبناني المتمسك بخيار الدولة والحلول الدبلوماسية، وهو ما يضع طهران امام واقع جديد في تعاملها مع بيروت. واضافت ان التوتر السابق في العلاقات لا يزال حاضرا في الاذهان، وان اي محاولة للتدخل في الشؤون اللبنانية ستواجه بمزيد من الرفض من القوى السياسية التي تطالب بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية.

وختاما، يبقى المشهد اللبناني رهنا بالتوازنات الاقليمية المعقدة، حيث تظل زيارة المسؤولين الايرانيين مؤشرا على رغبة طهران في البقاء لاعبا اساسيا في الملف اللبناني رغم التحديات. واوضحت المعطيات ان المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة الدبلوماسية اللبنانية على موازنة علاقاتها الخارجية وحماية استقرارها الداخلي في ظل الضغوط الاقليمية المتزايدة.