تتفاقم التحديات الميدانية التي تواجه حركة السكان في القرى الحدودية جنوب لبنان بشكل يومي، حيث تفرض القوات الاسرائيلية واقعا جديدا يعتمد على الاستهداف المباشر للطرقات والمداخل الحيوية. هذا التوجه العسكري لا يقتصر على التمركز الميداني، بل يمتد ليشمل فرض طوق من النيران يمنع الاهالي من التحرك بحرية بين قراهم، مما يثير مخاوف جدية من عزل مناطق واسعة بشكل فعلي عن محيطها الجغرافي والخدماتي.

واظهرت التطورات الاخيرة ان تداعيات هذا الاسلوب تتجاوز التنقلات العادية لتصل الى منع المزارعين من الوصول الى اراضيهم، وتعطيل وصول الاهالي الى المراكز الصحية والخدمات الاساسية في ظل مراقبة جوية مستمرة. واكدت التقارير الميدانية ان عمليات التمشيط الاسرائيلية طالت مؤخرا طرقا رئيسية حيوية، بالتزامن مع قصف استهدف اطراف بلدات عدة، مما حول هذه المسارات الى مناطق شديدة الخطورة لا يمكن عبورها.

وبينت التحركات العسكرية الاخيرة ان السياسة المتبعة تهدف الى خلق واقع امني يمنع اي تواصل طبيعي بين القرى الحدودية. واضافت المصادر ان هناك استهدافا متعمدا للمركبات المدنية، بما في ذلك الدراجات النارية وسيارات النقل الصغيرة، بناء على تقديرات وتقديرات امنية اسرائيلية تضع كل حركة على الطرقات تحت مجهر الاستهداف المباشر.

السيطرة بالنار وتكتيكات منع العودة

وكشف خبراء عسكريون ان اسرائيل انتقلت من استراتيجية الاحتلال المباشر للقرى الى اعتماد السيطرة بالنار من مسافات بعيدة. واوضحوا ان القوات الاسرائيلية تركز على احتلال تلال ومواقع استراتيجية تمنحها القدرة على رصد والتحكم في الطرقات الرئيسية والفرعية، مما يجنبها الانخراط في معارك مباشرة داخل التجمعات السكنية مع الحفاظ على قبضتها على المنطقة.

واشار المختصون الى ان الطائرات المسيرة تلعب دورا محوريا في هذا التكتيك، حيث ترصد كل شاردة وواردة على الطرقات لتحديد الاهداف. وشددوا على ان الهدف من هذه الاستراتيجية هو جعل الحياة الطبيعية في هذه القرى امرا مستحيلا، مما يرسخ حالة من العزلة القسرية حتى في المناطق التي لا يوجد فيها تواجد عسكري مباشر.

واكدت الوقائع الميدانية ان طرقا حيوية مثل طريق النبطية مرجعيون باتت مقطوعة فعليا نتيجة القصف المكثف واعمال التمشيط. واضافت التقارير ان البلديات المحلية طالبت بضمانات لفتح الطرق الرئيسية امام المواطنين لتأمين احتياجاتهم الحياتية، الا ان استمرار الاستهداف المدفعي يجهض هذه المحاولات ويجعل الحركة محفوفة بالمخاطر القاتلة.

القصف المدفعي كأداة للضغط الامني

واوضح مراقبون ان القصف المدفعي المتكرر لا يحمل طابع التصعيد العسكري الواسع فحسب، بل هو اداة سياسية وامنية مدروسة. واضافوا ان الهدف الاساسي من هذا القصف هو منع عودة النازحين الى منازلهم وضمان عدم استقرار السكان في القرى الحدودية، مما يمنع خلق اي بيئة حاضنة او نشاط يمكن ان تعتبره اسرائيل تهديدا مستقبليا لقواتها.

وبين العميد المتقاعد سعيد قزح ان وجود جيش محتل في محيط القرى يجعل كل الطرق عرضة للخطر الدائم. واشار الى ان الحروب دائما ما تخلف اضرارا جانبية واسعة، لكن في الحالة اللبنانية فان الاستهداف الممنهج يجعل من التنقل المدني مغامرة غير محسوبة النتائج، خاصة مع غياب اي ضمانات لعدم استهداف المدنيين.

وخلصت التحليلات الى ان المناطق الحدودية تعيش حالة من عدم اليقين، حيث لا يمكن التنبؤ بنوايا القوات الاسرائيلية او طبيعة العمليات التي قد تنفذها في اي لحظة. واكد الخبراء ان هذا الواقع يفرض تحديات كبيرة على صمود الاهالي، ويحول القرى الى جزر معزولة تعاني من نقص في الامدادات وتهديد دائم بالاستهداف العسكري الذي يطال كل من يحاول التحرك على الطرقات.