شهد منتدى الاستثمار العالمي في العاصمة القطرية نقاشات موسعة حول التحول الجذري في قطاع الفضاء، حيث لم يعد هذا المجال مقتصرا على الأبحاث العلمية أو النفوذ السياسي للدول الكبرى. واكد المشاركون أن الفضاء تحول اليوم إلى ركيزة اقتصادية حيوية وبنية تحتية تدعم التنمية المستدامة، مع توقعات تشير إلى نمو هذا الاقتصاد ليصل إلى 1.8 تريليون دولار. وبين الخبراء أن الاستثمار في هذا القطاع يفتح آفاقا جديدة للأسواق الناشئة لتعزيز مكانتها ضمن سلاسل القيمة العالمية.

واستهل إدريس الحداني من مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي الجلسة بالتأكيد على أن الاعتماد على تقنيات الفضاء بات ضرورة حتمية لضمان استقرار شبكات النقل والاتصالات والمنظومات المالية. واضاف الحداني أن معادلة النجاح في هذا المجال ترتكز على استغلال الفرص لبناء شركات محلية، وضمان التنبؤ التنظيمي، والحرص على الاستدامة البيئية والمدارية. وشدد على أن الدول النامية لا تحتاج بالضرورة لامتلاك صواريخ باهظة، بل يمكنها تحقيق عوائد ضخمة عبر البرمجيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وكشفت نومفونيكو ماجاجا من وزارة التجارة في جنوب أفريقيا عن تجربة بلادها في تصنيع المكونات الدقيقة مثل الحساسات وكاميرات الأقمار الاصطناعية. واوضحت أن الدول الصاعدة تمتلك فرصة ذهبية لتصبح موردا موثوقا في سلاسل التوريد العالمية. واشارت إلى أن الموقع الجغرافي لدول الجنوب يمنحها ميزة تنافسية كبرى لاستضافة المحطات الأرضية اللازمة لرصد وتتبع الأقمار الاصطناعية.

استراتيجيات الاستثمار وبناء الشراكات المرنة

واستعرض حسن الحوسني من شركة سبيس 42 الإماراتية أهمية دمج بيانات الأقمار الاصطناعية مع الذكاء الاصطناعي الجغرافي لخدمة التنمية في أفريقيا. واضاف أن سوق بيانات رصد الأرض يشهد نموا مستمرا، مؤكدا أن وجود طلب حكومي واضح يعد الضمانة الأساسية لجذب القطاع الخاص. وبين أن توطين القدرات الفضائية يتطلب تعاونا وثيقا وتقاسما للموارد التكنولوجية بين الدول والشركات.

وتحدث شاجو ستيفان من شركة إي إي دي آي إتش الهندية عن التحديات اللوجستية التي تواجه القطاع، مشيرا إلى وجود نقص حاد في منصات الإطلاق العالمية. واكد ستيفان أن هناك عشرات الشركات التي تطور صواريخ لكنها تصطدم بقلة المنصات المتاحة، داعيا الدول القريبة من خط الاستواء للاستثمار في هذا الجانب لإنهاء الاختناق التجاري. واوضح أن هذه الخطوة ستعزز من سرعة دوران رأس المال في اقتصاد الفضاء.

ولفتت إيفجينيا دروزهاشتشيك من وزارة التنمية الاقتصادية الروسية إلى أن معظم نمو اقتصاد الفضاء يأتي من القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والخدمات اللوجستية. واضافت أن موسكو تعمل على نماذج تعاون مرنة تعتمد على تقديم البيانات الفضائية كخدمة وتدريب الكوادر الوطنية. واظهرت التجارب أن نقل التكنولوجيا يشكل حجر الزاوية في تمكين الدول من بناء بنية تحتية فضائية مستدامة.

تحولات جذرية في بوصلة الاستثمار الفضائي

وعدد الخبير الصيني جيانغ تشو 8 تحولات جذرية أعادت تشكيل الفضاء، أبرزها تحوله من مشروع هندسي سيادي إلى أصل مالي يدر تدفقات نقدية مستمرة. واضاف تشو أن انتقال القيادة من الحكومات إلى القطاع الخاص قلص دورة الاستثمار بشكل كبير. ودعا الصناديق السيادية الخليجية إلى استغلال السيولة المتوفرة لإنشاء تحالفات استراتيجية مع كبرى شركات التكنولوجيا الفضائية.

وحثت إيوانا بيتريسكو من معهد سياسات الفضاء الأوروبي الحكومات على تبني سياسات تدوير ذكية لجذب شركات الإلكترونيات. واوضحت أن بناء بيئة أعمال متكاملة هو السبيل الوحيد لضمان نجاح الاستثمارات في هذا المجال الصاعد. وحذرت من مخاطر ضخ الأموال في مشاريع معزولة دون وجود إطار تشريعي يدعم دمج الشركات في المنظومة الفضائية العالمية.

واختتمت نان لي كولينز رئيسة منتدى الاستثمار العالمي بالإعلان عن شراكة جديدة بين أونكتاد وأونوسا لدعم الدول النامية. واضافت أن هذه الشراكة ستساعد في صياغة أطر تشريعية وجاهزية استثمارية تضمن تحويل الالتزامات النظرية إلى مشاريع ملموسة. واكدت أن التوصيات ستدرج في التقرير الختامي لتعزيز التنمية العالمية عبر اقتصاد الفضاء الواعد.