بقلم: مؤيد أحمد المجالي
ليس أخطر من الإرهاب ذاته، إلا أن تتحول الدول إلى بيئة منتجة له، أو إلى راعٍ غير معلن لجماعاته، ثم تعود لتقدم نفسها باعتبارها رأس الحربة في الحرب عليه. فهناك فرق كبير بين دولة تواجه الإرهاب، ودولة تساهم في صناعة أسبابه، وتوفر له أدوات الاستمرار، ثم تحارب نتائجه عندما تخرج عن حدود التوظيف المرسوم لها.
لقد تجاوز الإرهاب في عالمنا المعاصر صورته التقليدية التي ارتبطت بأفراد متطرفين أو جماعات عقائدية مغلقة، وأصبح في بعض النزاعات أداة من أدوات الصراع الجيوسياسي، ووسيلة لإدارة النفوذ وتغيير موازين القوى، دون الحاجة إلى إعلان الحرب أو تحمل تبعات التدخل العسكري المباشر.
إننا أمام نمط بالغ الخطورة من الحروب غير المعلنة؛ حيث لا تتحرك الجيوش بالضرورة عبر الحدود، ولا ترفع الدول أعلامها فوق مواقع الاشتباك، بل تتقدم جماعات مسلحة تحمل مشاريع وشعارات مختلفة، بينما تقف خلف بعضها شبكات من التمويل والتسليح والتدريب والإسناد السياسي والاستخباراتي.
وهكذا يصبح بالإمكان خوض حرب كاملة بأيدٍ ليست أيدي الدولة الراعية، وإحداث دمار لا تظهر الدولة التي ساهمت في صناعته في واجهة المشهد، بل ربما تظهر لاحقاً في صورة الوسيط أو المنقذ أو الشريك في مكافحة الإرهاب!
الإرهاب بالوكالة: حين تصبح الجماعات المسلحة أدوات سياسية:
إن إحدى أخطر خصائص الحروب المعاصرة هي قدرة بعض الدول على توظيف جماعات مسلحة خارج حدودها لتحقيق أهداف استراتيجية. وقد تتنوع صور هذا التوظيف بين التمويل والتسليح والتدريب وتوفير الملاذات الآمنة، وصولاً إلى التأثير في القرار العملياتي أو توجيه بعض الأنشطة.
ولا يعني ذلك أن كل جماعة مسلحة هي جماعة إرهابية، أو أن كل علاقة بين دولة وقوة مسلحة تشكل رعاية للإرهاب؛ فالتوصيف يتطلب النظر في طبيعة الأفعال والأهداف ووسائل استخدامها، وفي مدى مخالفتها للقانون الدولي. لكن المؤكد أن استخدام العنف غير المشروع بواسطة أطراف وسيطة لا يغير من حقيقة الفعل ولا يمحو المسؤولية عن المساهمة فيه.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه العلاقة قد تقوم على تبادل المصالح؛ فالدولة تحصل على نفوذ إقليمي، والجماعة تحصل على المال والسلاح والغطاء، أما الدولة التي تتحول إلى ساحة للصراع فتدفع الثمن من أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدة مجتمعها.
وقد لا تكون الجماعة مجرد أداة مطيعة بالكامل، إذ يمكن أن تتطور مصالحها الخاصة، وأن تتمرد على الجهة التي ساعدت في نشأتها، أو أن تتحول إلى خطر على من صنعها. فالأدوات المسلحة لا تبقى بالضرورة تحت السيطرة إلى الأبد، والتطرف الذي يجري توظيفه سياسياً قد يتحول إلى قوة مستقلة يصعب احتواؤها.
ازدواجية المعايير: إرهاب مذموم وإرهاب قابل للتوظيف!
المشكلة ليست في أن المجتمع الدولي يعلن الحرب على الإرهاب، فهذا واجب تفرضه حماية الإنسان والأمن والسلم الدوليين؛ المشكلة في انتقائية تطبيق هذا المبدأ، وفي أن يصبح تعريف الإرهاب وملاحقته خاضعين أحياناً لحسابات المصالح والتحالفات.
فقد تتحول جماعة مسلحة إلى تنظيم إرهابي في خطاب دولة ما، بينما تكون حليفاً أو شريكاً أو ورقة نفوذ في حسابات دولة أخرى. وقد يُدان استخدام العنف عندما يستهدف مصالح طرف دولي، بينما يجري التغاضي عن ممارسات مماثلة عندما تخدم مصالح طرف آخر.
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً لا يجوز التهرب منه: هل الإرهاب هو طبيعة الفعل الذي يستهدف الإنسان ويهدد حياته وأمنه، أم أنه صفة تتغير بتغير هوية مرتكبه وموقعه من خرائط التحالفات الدولية؟
إن القاعدة الأخلاقية والقانونية تقتضي ألا تتغير إدانة الجريمة بتغير الجهة التي ارتكبتها، وألا تتحول حياة المدنيين إلى معيار سياسي انتقائي. فالاعتداء على الأبرياء لا يصبح مشروعاً لأن مرتكبه حليف، ولا يفقد صفته الإجرامية لأن الجهة التي تقف خلفه تمتلك نفوذاً سياسياً أو عسكرياً.
الدولة الراعية ليست دائماً بعيدة عن مسرح الجريمة:
من الأخطاء الشائعة اختزال المسؤولية في الشخص الذي يحمل السلاح ويضغط على الزناد، وتجاهل الأدوار التي سبقت ذلك: من وفر المال؟ من قدم السلاح؟ من درّب العناصر؟ من وفر المعلومات؟ من هيأ طرق الإمداد؟ ومن وفر الحماية السياسية أو الملاذ الآمن؟
إن البحث عن المسؤولية لا ينبغي أن يتوقف عند المنفذ المباشر، بل يجب أن يمتد إلى شبكة المساهمين والممولين والمخططين والداعمين، وفق الأدلة والقواعد القانونية التي تحكم إسناد المسؤولية لكل طرف.
وقد وضع مجلس الأمن الدولي، في قراره رقم 1373 لسنة 2001، التزامات واضحة على الدول بمنع تمويل الأعمال الإرهابية، والامتناع عن تقديم الدعم النشط أو السلبي للجهات والأشخاص المتورطين فيها، ومنع توفير الملاذات الآمنة لهم، وملاحقة من يساهمون في تمويلها أو التخطيط لها أو دعمها.
وهذا يعني أن مكافحة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة من ينفذ العملية، بل تشمل أيضاً تجفيف مصادر الدعم التي تجعل تنفيذها ممكناً.
لكن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه الالتزامات إلى ممارسة دولية متساوية، لا تستثني دولة بسبب قوتها، ولا تتساهل مع أخرى بسبب موقعها في معادلات النفوذ.
هل يمكن للدولة أن تصنع الإرهاب ثم تتنصل من نتائجه؟
من الناحية السياسية والأخلاقية، لا يمكن لدولة أن تتعامل مع الجماعات المسلحة باعتبارها أدوات نافعة حين تخدم مصالحها، ثم تتبرأ من آثارها عندما تنقلب على مصالحها أو تتجاوز حدود استخدامها.
أما من الناحية القانونية، فإن المسؤولية عن أفعال الجماعات لا تنتقل تلقائياً إلى الدولة لمجرد وجود علاقة دعم أو تمويل؛ إذ يتطلب إسناد فعل معين إلى الدولة بحث مدى التعليمات أو التوجيه أو السيطرة الفعلية، إلى جانب القواعد القانونية الأخرى ذات الصلة.
وقد شكل حكم محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة عام 1986 محطة مهمة في هذا المجال، إذ تناول مسؤولية الولايات المتحدة عن تدريب وتسليح وتمويل ودعم قوات الكونترا، وقرر وجود انتهاك لالتزام عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
وهذا المثال التاريخي يوضح أن استخدام الجماعات المسلحة في الصراعات الدولية ليس مجرد افتراض نظري، بل ممارسة عرفها التاريخ السياسي الحديث، وكانت موضع مساءلة قضائية دولية.
إن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، وإنما بناء منظومة مساءلة تستطيع الوصول إلى حقيقة العلاقات بين الدول والجماعات المسلحة، وتفكيك شبكات الدعم والتمويل والتسليح، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيداً عن الحصانات السياسية غير المبررة.
من يزرع العنف لا يستطيع التحكم دائماً في حصاده:
لعل أخطر ما في سياسة صناعة الجماعات المسلحة وتوظيفها هو الاعتقاد بأن التطرف يمكن أن يكون أداة قابلة للتحكم، وأن الجماعة التي تنشأ لتحقيق غرض سياسي محدد ستظل ملتزمة بذلك الغرض إلى الأبد.
لكن التاريخ يقدم دروساً متكررة في أن الجماعات المسلحة قد تتجاوز حسابات الجهات التي دعمتها، وأن العنف لا يعرف دائماً حدوداً مرسومة له، وأن النار التي تُشعل في ساحة دولة أخرى قد تمتد إلى الإقليم بأكمله، وربما تعود إلى من أشعلها.
والأكثر مأساوية أن الشعوب هي التي تدفع الثمن: مدن مدمرة، ومؤسسات منهكة، ونزوح ولجوء، وانقسامات اجتماعية وطائفية، واقتصادات مستنزفة، وأجيال تنشأ في بيئات يسودها الخوف وفقدان الثقة بالمستقبل.
وبينما تنشغل الدول المتصارعة بحسابات النفوذ ومكاسب الجغرافيا السياسية، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط وقاسٍ: من يعيد إليه وطنه وأمنه وحياته التي ضاعت في حروب لم يخترها؟
الإرهاب في ميزان الأخلاق والدين:
ولا يمكن فصل هذه المسألة عن البعد الأخلاقي والديني؛ فالقرآن الكريم لم يكتف بتحريم الاعتداء المباشر، وإنما قرر مبدأ أوسع في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
إن دلالة هذا المبدأ تضعنا أمام مسؤولية أخلاقية تتجاوز الفاعل المباشر إلى كل من يشارك في العدوان أو يعين عليه، كل بحسب دوره وطبيعة مساهمته.
كما أن قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يؤسس لقيمة إنسانية عظيمة، تجعل حرمة النفس الإنسانية أصلاً لا يجوز إخضاعه لمصالح الدول أو الحسابات السياسية.
ومن هنا فإن توظيف الدين أو المذهب أو الهوية لتعبئة الجماعات المسلحة، وتحويل الاختلاف إلى مبرر للقتل والترويع، يمثل انحرافاً عن مقاصد حماية الإنسان وصيانة المجتمع.
نحو معيار دولي واحد لمكافحة الإرهاب:
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات والخطابات التي تعلن الحرب على الإرهاب بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية لمواجهة مصادره، ومحاسبة من يموله ويسلحه ويوفر له الحماية، أياً كانت هويته أو قوته أو موقعه في النظام الدولي.
كما يحتاج إلى التمييز بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي، وبين استهداف المدنيين والأبرياء، وبين النزاعات المسلحة التي تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني، والأعمال الإرهابية التي تستهدف بث الرعب والاعتداء على الإنسان.
فلا يجوز أن تكون مكافحة الإرهاب ذريعة لإهدار حقوق الشعوب، كما لا يجوز أن تكون مقاومة الظلم والاحتلال غطاءً لارتكاب الجرائم بحق الأبرياء.
إن المعيار الحقيقي هو احترام الإنسان والقانون، وليس هوية الطرف أو موقعه من خريطة المصالح الدولية.
الإرهاب لا يولد دائماً في الظلام:
إن أخطر ما ينبغي أن يدركه العالم أن الإرهاب ليس دائماً نتاجاً تلقائياً للفقر أو الجهل أو التطرف الديني، بل قد يكون في بعض الحالات نتاجاً لقرارات سياسية واعية، وشبكات تمويل منظمة، وحسابات استراتيجية ترى في الفوضى وسيلة لتحقيق النفوذ.
وقد لا يظهر صانع الإرهاب في الصورة، وقد لا يحمل السلاح، وقد يقف أمام الكاميرات معلناً تضامنه مع ضحايا الإرهاب، وربما يقود تحالفاً دولياً لمحاربته؛ لكن ذلك لا يعفيه من المساءلة إذا ثبت أنه ساهم في تمويل الجريمة أو التخطيط لها أو تسهيلها.
إن العالم الذي يلاحق منفذي العمليات الإرهابية ويتجاهل من يمولهم ويسلحهم ويوظفهم، إنما يعالج أعراض المرض ويترك أسبابه.
فلا معنى لحرب دولية على الإرهاب إذا كانت بعض الدول تريد الاحتفاظ بحق إنتاجه وتوظيفه. ولا معنى لإدانة اليد التي تضغط على الزناد، مع إعفاء اليد التي وضعت السلاح فيها، والعقل الذي حدد لها الهدف، والجهة التي دفعت ثمن الرصاصة.
إن المعركة الحقيقية ضد الإرهاب لا تبدأ من ساحات الاشتباك وحدها، بل من مراكز القرار والتمويل والتسليح، ومن إنهاء سياسة ازدواجية المعايير التي تجعل الإرهاب جريمة حين يخدم خصومنا، وأداة سياسية حين يخدم مصالحنا.
