كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن الحرب بين اسرائيل وحركة حماس لا تمثل مجرد مواجهة تقليدية بين طرفين متباينين في القوة، بل تعد اختبارا حقيقيا لنظرية الواقعية الهجومية في سياق الحروب اللامتماثلة. وأوضحت الباحثة حفصة فاتح مصطفى احمد في دراستها التي صدرت مؤخرا ان منطق تعظيم القوة والهيمنة لم يعد حكرا على الدول الكبرى، بل اصبح محركا اساسيا لسلوك الفواعل من غير الدول في مواجهة خصوم يتفوقون عليهم تقنيا وعسكريا. وبينت الدراسة ان طبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين شهدت تحولا جذريا نحو الحروب الهجينة والسيبرانية، حيث تداخلت التكنولوجيا بالقدرات العسكرية التقليدية مما سمح لاطراف اقل قوة بامتلاك ادوات قادرة على تحدي جيوش نظامية.

تطور الفكر الواقعي نحو الهجوم

واكدت الباحثة ان الواقعية الهجومية كما صاغها جون ميرشايمر تنطلق من فرضية ان غياب الضمانات الامنية في النظام الدولي يدفع الفاعلين الى اتخاذ الهجوم وسيلة عقلانية لضمان البقاء. واضافت ان الفارق الجوهري بين الواقعية الدفاعية والهجومية يكمن في نظرة كل منهما الى القوة، حيث ترى الاولى ان الدولة تكتفي بقدر كاف من الامن، بينما ترى الثانية ان عدم اليقين بشان نيات الخصوم يجعل من تعظيم القوة ضرورة وجودية. واوضحت ان الحرب اللامتماثلة تعيد تعريف القوة لتشمل ابعادا نفسية ومعلوماتية وتنظيمية تتجاوز مجرد التفوق المادي في السلاح.

اسرائيل.. عقيدة الهجوم كخيار استراتيجي

وذكرت الدراسة ان السلوك العسكري الاسرائيلي بعد السابع من اكتوبر لم يكن مجرد رد فعل ظرفي، بل عودة اكثر حدة لعقيدة امنية راسخة تقوم على المبادأة والضربة الاستباقية ونقل المعركة الى ارض الخصم. واشارت الى ان انهيار الردع والاحتواء دفع اسرائيل الى محاولة تفكيك قدرات حماس بشكل استباقي لمنعها من اعادة بناء قوتها. واوضحت ان الانتقال من سياسة الاغتيالات المحدودة الى استهداف منظومات قيادية واسعة يهدف الى شل قدرة الخصم على التنظيم والتحرك في بيئة صراع مفتوحة.

من السيوف الحديدية الى الضغط المستمر

وبينت الدراسة ان الاداء العسكري الاسرائيلي مر بمراحل متعددة، بدأت بالصدمة والتدمير الشامل عبر عملية السيوف الحديدية، ثم انتقلت الى مرحلة تصفية القيادات والضغط المستمر. واكدت ان العمليات لم تتوقف عند حدود قطاع غزة بل اتسعت لتشمل جبهات اخرى، مما يعكس تحول الصراع الى نمط متعدد الجبهات. واظهرت الباحثة من خلال مراجعة بيانات الانفاق العسكري ان تحقيق تفوق ساحق على الارض لا يضمن بالضرورة تحقيق الاهداف الاستراتيجية الكبرى مثل استعادة الرهائن او تدمير الحركة بشكل نهائي.

استراتيجية حماس في تعويض فجوة القوة

واوضحت الدراسة ان حركة حماس اعتمدت استراتيجية تكييف مستمرة مع القيود المفروضة عليها، مستخدمة ما وصفته بالبراغماتية الجامدة التي تجمع بين الالتزام بالمرجعيات الفكرية والمرونة التكتيكية. واضافت ان الحركة حولت نقاط ضعفها الى نمط قتالي يعتمد على الاستنزاف والضربات السريعة والتكنولوجيا منخفضة الكلفة. وشددت على ان هجوم السابع من اكتوبر مثل ذروة هذا التحول الاستراتيجي، حيث سعت الحركة من خلال المباغتة الى احداث اثر استراتيجي يتجاوز حجم امكاناتها التقليدية المتاحة.

المباغتة كاداة لتعويض ضعف القوة

وكشفت الدراسة ان نجاح عملية السابع من اكتوبر استند الى ثلاثة عناصر رئيسية هي السرية المطلقة والتضليل المنهجي والتخطيط طويل الامد. واوضحت ان الحركة استخدمت وسائل اتصال معزولة عن الشبكات الرقمية لتقليل فرص الاختراق، بالتوازي مع ممارسة خداع استراتيجي اقنع المؤسسة الامنية الاسرائيلية بان غزة تتجه نحو التهدئة. واكدت ان الاهداف لم تكن عسكرية فحسب، بل شملت ابعادا نفسية تهدف الى تعطيل فرقة غزة وضرب مراكز القيادة والسيطرة وتغيير معادلة الردع القائمة.

تحييد التفوق التكنولوجي في المسافة صفر

واشارت الباحثة الى ان تكتيك المسافة صفر وشبكة الانفاق شكلا ادوات حاسمة لتحييد التفوق الجوي والاستخباراتي الاسرائيلي. واضافت ان اجبار القوات على القتال القريب يقلل من حرية استخدام الاسلحة الثقيلة، مما يحول البيئة القتالية الى ساحة اكثر ملاءمة للطرف الاضعف. واكدت ان هذه الاستراتيجيات تعيد انتاج منطق القوة بشكل وظيفي يتيح للطرف الاضعف كسر التوازن التقليدي ورفع كلفة الصراع على الخصم الى مستويات غير محتملة.

الواقعية الهجومية تتجاوز الدولة

وخلصت الدراسة الى ان الحرب الحالية تثبت ان الواقعية الهجومية قادرة على تفسير سلوك الفواعل من غير الدول، وليس فقط الدول الكبرى. واوضحت ان الفوضى وغياب الضمانات الامنية يدفعان اي فاعل يشعر بخطر وجودي الى تبني استراتيجيات هجومية لتعظيم قوته. واكدت في ختامها ان استمرار الصراع يعود الى انعدام الثقة المتبادل، حيث ينظر كل طرف الى الاخر باعتباره تهديدا وجوديا لا يمكن التسليم بضماناته، مما يخلق دائرة مفرغة من التصعيد تعيد انتاج نفسها باستمرار.