ما زال الشعب الأردني يعيش تحت وقع صدمة العملية الإرهابية في الكرك، وما زال الجدل نشطاً على منصات التواصل الاجتماعي، حول آليات مواجهة الفكر التكفيري، والحفاظ على الوحدة الوطنية في ظل الحرائق التي تجتاح الإقليم. قال الملك عبد الله الثاني، بعد ساعات من العملية الإرهابية، غاضباً بالعامية: "راح نورجيهم". وبالفعل، قبضت الأجهزة الأمنية على الجناة المتهمين، وهاجمت طائرات الجيش الأردني ما وصفته معقلاً للإرهابيين في الجنوب السوري، واعتبرتهم ضالعين في تنفيذ الإرهاب وتوجيهه داخل الأردن، ما أشعل انتقادات بعد سقوط مدنيين سوريين، رغم تأكيد الدولة الأردنية التنسيق مع الجانب السوري، وإبداء الأسف على سقوط ضحايا مدنيين، والسعي الحثيث إلى تطويق الأزمة.
ليست الجريمة التي استهدفت عزاءً في كنيسة العملية الإرهابية الأولى في الأردن، لكنها أعادت إلى الواجهة القلق من تنامي الفكر المتطرّف والتكفيري داخل المجتمع، بعيداً عن شعارات التعايش والتآخي، وربما فتحت الباب لنقاش حرٍّ في مفهوم المواطنة الذي يواجه شروخاً في سياقات مختلفة داخل بنية المجتمع.
مفاصل أساسية في تعامل الدولة ما بعد العملية الإرهابية ستخضع للاختبار على مستوى الحكومة والمجتمع، أولها أن اقتلاع الإرهاب لا يمكن أن يتحقق بمواجهة أمنية، مهما كانت حازمة وحاسمة، وأن الجذور الفكرية التي تغذّي الإرهاب موجودة في العائلة والمدرسة وأجهزة الدولة والإعلام ومنصات التواصل. فمن أين نبدأ، وما خطة المواجهة؟
في بيت العزاء الذي أقيم في ديوان الكرك في عمّان، أمسك الأمير الحسن بن طلال بعصب المشكلة، حين قال: "كلمة الأقليات يجب أن تُشطب من القاموس الأردني"، وجوهر القضية والأزمة هنا أن المسيحيين يحتاجون حماية من الأكثرية الإسلامية، ما يؤشّر على فكرة فيها خلل فادح؛ فالأصل أن هؤلاء مواطنون في الدولة الأردنية يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها، وهم شركاء في بناء الدولة، وليسوا أقلية دينية. ولهذا، الأسطوانة المشروخة التي تتكرر على لسان المسؤولين عن التعايش والتسامح تعكس المعادلة المختلة التي لا ترى المواطنة أساساً في التعامل مع مكونات المجتمع.

التحرّك نحو ملاحقة من يبثون الكراهية ويحرّضون على العنف لأسباب طائفية أو جهوية قد يجد مؤيدين له

إذن، المشكلة التي يجب أن نراها بوضوح ونتصدّى لها، تتمركز في منع إنتاج عقلية الأقلية والأكثرية في الدولة؛ فالمواطنة ليست امتيازاً تمنحه جماعة لأخرى، بل حقٌّ متساوٍ لا يقبل التجزئة. خطاب الكراهية يتمدّد داخل المجتمع الأردني، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تستثمر في اقتصاد الكراهية أظهرت المشكلة بجلاء أكبر. ومعهد الحوار الاستراتيجي، في دراسة أُنجزت في مايو/ أيار الماضي (2026) أكد أن "خطاب الكراهية لم يعد ردّ فعل، بل أصبح جزءاً من الطريقة التي يتعامل بها الأردنيون مع عدم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يعكس مخاوف بشأن الموارد والسيادة والبقاء التي تتجاوز الصراع المباشر"، وتشير الدراسة إلى تأثير الحرب على غزّة وتداعياتها، وما يحدُث في سورية، وتنبه إلى أن أكثر أشكال خطاب الكراهية شيوعاً هو الموجّه على أساس ديني والنوع الاجتماعي.
قد يتفق الأردنيون في ظاهر الأمر على ضرورة التصدّي لخطاب الكراهية الذي ينمو ويفرّخ متطرفين في بيوتهم وشوارعهم، لكن هناك مخاوف من أن تُستخدم الحرب على الكراهية ذريعة للنَّيل من حرّية التعبير، والتضييق على النقاش في الفضاء العام.
في استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها للتعامل مع خطاب الكراهية، يتحدّث الأمين العام أنطونيو غوتيريس عن هذه المعضلة التي تنتشر عالميّاً: "التصدي لخطاب الكراهية لا يعني تقييد حرية التعبير"، فالتحرّك نحو ملاحقة من يبثون الكراهية ويحرّضون على العنف لأسباب طائفية أو جهوية قد يجد مؤيدين له، لكنه حتماً لن ينهي الظاهرة في زمن تمدّد منصات التواصل الاجتماعي.
الحواضن للفكر التكفيري المتطرف نتاج تربيةٍ لا تعزّز قيم الاختلاف، ولا ترى في المجتمع المتنوّع مصدر غنى، وكذلك المدرسة والجامعة لا تبنيان فكراً نقدياً وتربية مدنية، بل تتحوّل الجامعات أحياناً إلى ساحات حرب في مناكفات عشائرية لا تليق بمنارات تعليمية، وأيضاً مؤسّسات دينية (إسلامية ومسيحية)، بعضها إقصائي يوظف النصوص الدينية للهيمنة واحتكار السلطة، وتكفير الآخر، وحتى إلغاء العقل.

هل التطرّف نتيجة الفقر أم نتيجة الشعور بالظلم والإقصاء؟

تجد جذور هذه الأزمة تجلياتها في فضاء رقمي يعطي أولوية للمحتوى الغاضب والعنيف، وتستثمر خوارزمياته في الكراهية التي تزيد المشاهدات، وتحقق الأرباح المالية، وتزيد من حدّة الاستقطاب الذي يهدّد السلم الأهلي والمجتمعي. وأبداً، لا يعني هذا الوصف لأبعاد المشكلة أنه لا توجد أطراف توظّف الصراعات المجتمعية الطائفية والهوياتية في سياق الإلهاء، وإشغال الناس في معارك ثانوية لا تتعلّق بالتنمية والحقوق والحريات والديمقراطية والحكم الرشيد، وتظلّ السلطة بمنأى عن الرقابة والمساءلة.
يستحقّ ما حدث في الكرك أن نُعلي الصوت، ونطرح أسئلة مقلقة تحتاج إلى تفكير عقل الحكومة والمجتمع، للبحث عن إجابات وحلول. من الأسئلة التي تُسمع: هل تنتج بعض السياسات الرسمية بيئةً تساعد على إنتاج التطرّف؟ هل يمكن بناء مواطنة متساوية في ظل التفاوت في العدالة وتكافؤ الفرص؟ هل التطرّف نتيجة الفقر أم نتيجة الشعور بالظلم والإقصاء؟ ألا تنتج سياسات التهميش بيئة حاضنة وخصبة للإرهاب والاستقطاب والتجنيد؟ ألم يؤدِّ إضعاف الحياة الحزبية إلى إنتاج الهويات الفرعية بديلاً للمواطنة؟ وهل أدّى تراجع الثقة بالمؤسسات العامة للدولة إلى البحث عن ملاذات عشائرية وجهوية ودينية؟
ملخص القول بعد هذه الأسئلة المحيّرة، أنه لا توجد وصفة سحرية لاجتثاث الإرهاب والفكر المتطرّف والظلامي في المجتمع بين ليلة وضحاها، وأول الاستحقاقات أن نعيد إنتاج فكر مدني قولاً وممارسةً بين الناس وفي إدارة الدولة، وألا تلجأ السلطة إلى توظيف الصراعات المذهبية والأصول والمنابت لتبقى صاحبة اليد العليا؛ لأن ذلك وصفة للخراب.