سعيد الصالحي

وعند الحديث عن ذكريات الطفولة، أذكر أنني اشتريت ذات يوم حذاءً يختلف عن الأحذية المنتشرة في تلك الأيام، وأقصد هنا البوط الصيني. انتعلت الحذاء وأخذت أسير مختالًا، وكأن قطعة البلاستيك أو الجلد تلك قد أضافت إلى عقلي علمًا نافعًا يستحق أن أتباهى به قليلًا أمام رفاقي في الصف.

طوال فترة الدوام، كنت أنظر إلى حذائي الأسود الجديد أكثر مما أنظر إلى السبورة السوداء أو إلى كتب المدرسة. ولم أمارس في ذلك اليوم أي نشاط بدني قد يفسد بهجة الحذاء أو ينتقص من لمعانه؛ فلم أشارك رفاقي في ركل الكرة، ولم أغادر الساحة المبلطة إلى الساحة الترابية التي كنت أجد فيها متعتي.

لكننا، وبعد انتهاء الدوام، تعرضنا لهجوم مباغت من طلبة الفترة المسائية. ولأنني كنت طويلًا مقارنة بزملائي، فقد كان الأمر يتطلب مني مشاركة فعالة في التصدي للهجوم. جمعت الرفاق حولي وانطلقنا نحو المهاجمين، وأذكر أنني كنت في المقدمة. وعندما رفعت ساقي لأركل أحد المعتدين، أمسك بقدمي وسحب منها فردة الحذاء، ثم أخذ يلوّح بها في الهواء وكأنه أمسك برأس قائد الهجوم.

بعد أن استولى المهاجمون على حذائي، خمدت المعركة. بدأ المهاجمون بالانسحاب التدريجي، وكذلك فعل رفاقي من المدافعين، وكأن هدفهم من المعركة الحصول على فردة الحذاء، أو ربما قتل فرحتي العارمة أو غروري في ذلك اليوم.

بقيت واقفًا مشلول الحركة والتفكير. أما الفتى الذي أخذ حذائي فقد اختفى من المشهد، وجلست أنا بالقرب من مدخل المدرسة لا أعرف ماذا أفعل.

بدأت الأفكار تتقافز في رأسي؛ فكرت في الذهاب إلى المسجد القريب واستعارة قبقاب منه، أو التوجه إلى منزل الفتى سارق الحذاء والشكوى عليه. وأخيرًا قررت أن أعود إلى البيت وأنا أعرج، غير آبه بأن يكون منظري ملفتًا للانتباه أو أن تكون مشيتي مثيرة للسخرية.

وعندما هممت بتنفيذ خطتي الصبيانية الأخيرة، نزل عليّ أحد أقاربي فجأة من السماء، وسألني: لماذا تجلس وحيدًا على قارعة الطريق؟ وأين فردة حذائك؟

أخبرته بما جرى، وكيف خسرت فردة حذائي في المعركة، وأن الفتى فلانًا قد اغتصبها.

نظر إليّ قريبي وقال: لقد عرفته، انتظرني هنا ولا تبرح مكانك.

هززت رأسي وعدت إلى الجلوس على طرف الرصيف. وبعد دقائق، عاد قريبي يحمل لي الحذاء. لم أعرف ماذا فعل بالفتى، لكنني علمت لاحقًا أنه أوسعه ضربًا حتى أعاد إليه فردة الحذاء.

أمسكت بالحذاء واحتضنته، وكنت أود لو أقبّله. تفقدته فلم أجد فيه جرحًا أو ضربة قد تودي بحياته. انتعلته مجددًا، وأحكمت رباطه، ثم نهضت من جديد.

شكرت قريبي كثيرًا، وبدأت أحث الخطى نحو منزلي، وعندها سمعت صوته يقول لي: كن حذرًا في المرة القادمة، فليس كل مرة تسلم الجرة.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أتباهى كثيرًا بأحذيتي الجديدة، وصرت أحكم رباطها جيدًا، تحسبًا لأي هجوم غادر آخر، وحرصًا على ألا تسقط الجرة مرة أخرى.