ينتشر باحثون ميدانيون في ارجاء قطاع غزة بين خيام النازحين واطلال المنازل المدمرة لجمع وتوثيق شهادات الضحايا حول ما تعرضوا له من جرائم ابادة جماعية. ويسعى هؤلاء الباحثون منذ بداية الحرب الى تجميع القرائن المادية والشهادات الحية التي تثبت استخدام اسلحة محرمة دوليا ضد المدنيين. واظهرت عمليات الرصد الميداني وجود عشرات الالاف من الضحايا بين شهيد ومفقود واسير لا يزال مصير الكثيرين منهم مجهولا تحت الركام.

واكد القائمون على مشروع التوثيق الذي يديره المرصد الاورومتوسطي لحقوق الانسان ان العمل يهدف الى بناء منصة رقمية متطورة تشكل سجلا تاريخيا وجنائيا دقيقا. واضاف الباحثون ان هذه المنصة تعمل على تحويل المواد الخام من صور وشهادات وافادات الى ادلة قانونية رصينة يمكن استخدامها مستقبلا في مسارات المساءلة الدولية. وشدد الفريق على اهمية هذه الخطوة في ظل محاولات طمس الحقائق وتدمير الارشيفات الرسمية للمؤسسات الفلسطينية.

وكشفت المشرفة على المشروع حنين شحادة ان هذا العمل ياتي كامتداد لمبادرات رقمنة الابادة التي تستضيفها مختبرات اكاديمية متخصصة. واوضحت ان الهدف هو الوصول الى بنية رقمية تجمع بين التوثيق الحقوقي والتحليل الجنائي متعدد المصادر. وبينت ان المشروع يسعى الى حماية الذاكرة الجماعية من المحو وتوفير مرجع موحد للباحثين والقانونيين يضمن بقاء الادلة حاضرة وقابلة للاستخدام في اي مسار قضائي مستقبلي.

استراتيجيات التوثيق الميداني في مناطق النزاع

وبين منسق فريق البحث الميداني محمود الدلو ان التحدي الاكبر كان وضع اطار منهجي صارم لعملية جمع البيانات في ظل ظروف الحرب القاسية. واضاف ان الباحثين يواجهون صعوبات بالغة في الوصول الى المعلومات او التحقق منها بسبب تدمير البنية التحتية وفقدان السجلات الرسمية. واكد ان الفريق يعتمد على سلسلة متكاملة من التحقق لربط الشواهد ببعضها وضمان دقتها قبل اعتمادها في السجل الرقمي.

واشار الدلو الى ان استمارات التوثيق صممت بطريقة تراعي الحالة النفسية للضحايا مع التركيز على جمع تفاصيل الحادثة والابعاد القانونية للانتهاك. واوضح ان العمل يتطلب تنسيقا مستمرا مع الجهات الصحية والمستشفيات لتبادل البيانات وتوثيق الاصابات الجسيمة والاثار الصحية المترتبة على الحرب. وشدد على ان هذا الجهد يمثل واجبا اخلاقيا وقانونيا لحفظ الحقيقة من الضياع وضمان حق الاجيال القادمة في معرفة ما جرى.

وكشفت مديرة الاعلام والتواصل في المرصد الاورومتوسطي مها الحسيني ان الموقع الالكتروني الخاص بالمشروع يضم قاعدة بيانات موسعة تشمل تصنيفات دقيقة للضحايا حسب العمر والجنس والمكان. واضافت ان المشروع يوثق انماط التهجير القسري والتطهير العرقي عبر ربط الاحداث الحالية بالسياق التاريخي للهجمات. وبينت ان الموقع يقدم تحليلا زمنيا دقيقا يكشف عن تسلسل الانتهاكات ويوثق استهداف العائلات بشكل ممنهج.

منصة رقمية لحفظ الادلة الجنائية

واكدت الحسيني ان الموقع يخصص مساحة مركزية للشهادات الحية التي يتم عرضها عبر نصوص وتسجيلات لضمان حفظ البعد الانساني للضحايا. واضافت ان المنصة تتيح خرائط تفاعلية تعرض الانتهاكات وتسهل على الباحثين فهم جغرافيا الجريمة. وبينت ان النظام الرقمي يعمل على تحويل المحتوى المنتشر عبر وسائل التواصل الى ارشيف جنائي دائم يصعب حذفه او التلاعب به.

واوضحت ان المشروع يربط بين التصريحات الرسمية للجهات المعتدية والوقائع الميدانية على الارض لكشف انماط التصعيد. واضافت ان الباحثين يعملون على تحليل بيئة النزوح القسري واوامر الاخلاء العسكرية ضمن اطار قانوني متكامل. وشدد الفريق على ان الهدف النهائي هو تقديم ملفات متماسكة امام الهيئات القضائية الدولية لضمان عدم افلات الجناة من العقاب.

وبين القائمون على المشروع ان العمل مستمر لضمان تحديث السجلات بشكل يومي ومواكبة كافة التطورات على الارض. واكدوا ان هذه المنصة ستكون مرجعا دوليا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن توثيق جرائم الحرب. واضافوا ان السعي للعدالة يبدا بتوثيق الحقيقة وحمايتها من المحو وهو ما يكرس له الفريق كل طاقاته في ظل استمرار المعاناة في غزة.