تعتمد السلطات الاسرائيلية على تشريع قانوني مثير للجدل صدر عقب احتلال القدس الشرقية، حيث يمنح هذا القانون لليهود الحق في المطالبة بعقارات يزعمون ملكيتها قبل عام 1948، بينما يحرم الفلسطينيين من أي حقوق مماثلة لاستعادة ممتلكاتهم في القدس الغربية، مما يجعله أداة سياسية بامتياز لتغيير الواقع الديموغرافي في المدينة.
واظهرت الممارسات الميدانية ان هذا القانون تحول الى ذراع طليقة للمنظمات الاستيطانية، حيث يقوم الامين العام للاملاك الاسرائيلية برفع دعاوى قضائية منظمة لانتزاع السيطرة على العقارات، وهو ما ادى الى تحويل النزاعات العقارية من قضايا مدنية الى وسيلة لفرض السيطرة على احياء باكملها مثل حي الشيخ جراح وبطن الهوى.
واكد خبراء قانونيون ان القانون يعمل بمعايير مزدوجة واضحة، اذ يوفر غطاء قانونيا للمستوطنين للاستحواذ على منازل الفلسطينيين، بينما يغلق الابواب امام اصحاب الحقوق الاصليين من الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم في الجانب الغربي للمدينة، مما يكرس سياسة التهجير القسري تحت ستار القضاء.
الجذور التاريخية للمطامع الاستيطانية
وبينت الدراسات التاريخية ان جذور هذا القانون تعود الى اواخر القرن التاسع عشر، حين بدأت جمعيات يهودية بشراء اراض في منطقة سلوان بدعوى اسكان يهود اليمن، وهو ما عرف بوقف بنفنستي، حيث استغلت هذه الادعاءات التاريخية لاحقا لتكون ذريعة قانونية بعد احتلال عام 1967.
واوضحت الوقائع ان السلطات البريطانية اجبرت سكان تلك المناطق على الرحيل في عام 1938 لاسباب امنية، الا ان الاراضي ظلت مسجلة باسم الوقف، وبعد عام 1967 استقر فلسطينيون في تلك المناطق واشتروا اراضيهم بعقود رسمية، ليصطدموا لاحقا بمطالبات قضائية تستند الى وثائق قديمة لم يكن لهم علم بوجودها.
واضاف باحثون ان القانون جرى تفعيله بشكل مكثف منذ عام 2001، حين منحت جمعية عطيرت كوهانيم صلاحيات الوصاية على الوقف المذكور، لتبدأ حملة واسعة من الملاحقات القضائية التي تستهدف العائلات الفلسطينية وتصفهم بالمقيمين غير القانونيين رغم استقرارهم لعقود طويلة.
الابعاد السياسية للتشريعات العقارية
وكشفت التحليلات ان هذا التشريع لا ينفصل عن السياق السياسي العام، فهو جزء من منظومة قانونية تهدف الى اعادة تعريف الوضع القانوني للفلسطينيين في القدس، وتطويع النصوص القانونية لخدمة اهداف استراتيجية بعيدة المدى تهدف الى تفريغ المدينة من سكانها الاصليين.
واوضحت النتائج ان القانون يتجاوز طبيعته الاجرائية ليصبح اداة ضغط نفسي ومالي، حيث تضطر العائلات الفلسطينية الى خوض معارك قضائية مرهقة لسنوات طويلة، مع مواجهة عروض مالية مغرية من جهات وسيطة تهدف الى دفعهم للاخلاء الطوعي قبل اللجوء للقوة.
واكد مراقبون ان هذا النمط من التقاضي يستهدف بشكل مباشر استنزاف قدرة العائلات على الصمود، مما يحول البيوت الى بؤر استيطانية فور اتمام عملية التهجير، وهو ما يسهم في نهاية المطاف في تبديل الهوية العمرانية للاحياء الفلسطينية وتحويلها الى جيوب استيطانية معزولة.
الاثار الميدانية على الوجود الفلسطيني
وبينت الاحصائيات ان نحو 175 عائلة فلسطينية تواجه اليوم خطر الاخلاء المباشر في الشيخ جراح وبطن الهوى، حيث تتسارع وتيرة اوامر الاخلاء التي تصدرها المحاكم الاسرائيلية، مما يهدد بزوال مجتمعات محلية متجذرة في الارض منذ اجيال.
واشارت المتابعات الميدانية الى ان المحاكم الاسرائيلية رفضت خلال العامين الماضيين العديد من طعون الفلسطينيين، مما فتح الباب امام موجات تهجير جديدة، حيث تتحول المنازل بعد اخلاء اصحابها الى منصات لرفع الاعلام الاسرائيلية وتغيير المشهد الجمالي والديموغرافي للمنطقة.
وختاما، فان هذا القانون يظل الركيزة الاساسية التي يستند اليها المشروع الاستيطاني في القدس، حيث يتم استبدال السكان الفلسطينيين بمجموعات منظمة وممولة، مما يؤكد ان الهدف من التشريع يتجاوز مجرد تسوية نزاعات الملكية ليصل الى هدف سياسي استراتيجي يهدف الى تغيير هوية المدينة بشكل نهائي.
