يواجه العالم اليوم واقعا مأساويا مع تصاعد حدة النزاعات المسلحة حيث تشير التقارير الحديثة إلى وجود 59 صراعا نشطا تتوزع على خارطة الجغرافيا الدولية. وبينما تتركز التغطية الاعلامية بشكل مكثف على بؤر توتر محددة مثل الشرق الاوسط واوكرانيا تظل عشرات الحروب الاخرى طي النسيان بعيدا عن دائرة الضوء والاهتمام الدولي.
واظهرت بيانات معهد الاقتصاد والسلام ان هذا الرقم من الصراعات يعد الاعلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مما يطرح تساؤلات جدية حول المعايير التي تحكم اختيار الاخبار. واكد خبراء ان هذا الصمت الاعلامي لا ياتي من فراغ بل هو نتيجة لسياسات تحريرية تفرضها المؤسسات الكبرى بناء على حسابات جيوسياسية وتجارية ضيقة.
وبينت التحليلات ان الاعلام العالمي بات يتبنى عدسة مشوهة في نقل الاحداث حيث يتم تصنيف الضحايا بناء على هويتهم وموقعهم الجغرافي. واضاف مراقبون ان هذا النهج ادى الى ظاهرة تعرف بملل الاخبار حيث يفقد الجمهور اهتمامه بالمناطق التي لا يرى فيها بارقة امل او اهمية استراتيجية لدول الغرب.
التجاهل المتعمد وضريبة الانتماء الجغرافي
وكشفت تقارير صادرة عن منظمات دولية ان تجاهل الازمات الانسانية ليس مجرد صدفة بل هو سياسة متبعة في كبرى الوكالات العالمية. واوضحت الدراسات ان دولا مثل الكاميرون واثيوبيا وموزمبيق تعاني من مزيج قاتل بين النزاعات المسلحة والكوارث المناخية ومع ذلك فانها تتلقى تغطية اعلامية زهيدة للغاية مقارنة بغيرها.
واشار باحثون الى ان مرصد الصحافة الاوروبي وجد ان نسبة ضئيلة جدا من وقت البث المخصص للاخبار تذهب لدول الجنوب العالمي. واكدت النتائج ان هناك فجوة رقمية في قيمة الروح البشرية حيث يخصص الاعلام مساحة ضخمة لضحايا الدول ذات الدخل المرتفع مقابل تجاهل شبه تام لضحايا الدول الفقيرة.
واوضحت الاحصائيات ان حجم التغطية لوفاة مواطن واحد في الدول الغنية قد يعادل مئات المرات من المساحة المخصصة لضحايا النزاعات في المناطق الاقل حظا. وشدد محللون على ان هذا التفاوت يكرس ما يمكن تسميته بتراتبية الضحايا التي تفرضها النظم الاعلامية المسيطرة على المشهد العالمي.
نحو اعادة صياغة المشهد الاعلامي
واكد خبراء الاعلام ان الحل يبدأ بضرورة التخلي عن المركزية الغربية في تناول القصص الانسانية والبدء بتمكين الصحفيين المحليين. واضافوا ان الاعتماد على مراسلين من قلب الحدث بدلا من اعتبارهم مساعدين تقنيين سيغير من جودة وعمق التقارير الميدانية التي تصل للجمهور.
وبين مارتن سكوت استاذ الاعلام ان تبني صحافة انسانية تركز على الافراد وقصصهم الشخصية بدلا من الارقام المجردة هو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة. واشار الى ان هذه الخطوة تتطلب استثمارات كبيرة في تدريب وحماية الكوادر المحلية التي تخاطر بحياتها لنقل الحقيقة.
واوضح الباحثون في ختام رؤيتهم ان تكلفة تجاهل هذه الصراعات ستكون باهظة على المدى الطويل. واكدوا ان استمرار فهم العالم عبر عدسة مشوهة يؤدي الى قرارات سياسية وانسانية خاطئة تدفع ثمنها الشعوب الاكثر ضعفا في هذا الكوكب.
