تحولت حياة عدنان الهسي بشكل جذري حين تسببت اصابة بليغة في عينه نتيجة القصف في تهتك كامل للقرنية، ولم يجد امام تدهور حالته الصحية سوى الخضوع لعملية اغلاق العين كخطوة للحفاظ عليها من مضاعفات اشد خطورة. ومع مرور الوقت، برزت مبادرة نوعية اطلقها مستشفى العيون في غزة لتركيب عيون صناعية تهدف الى تخفيف الاثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب على مئات الفلسطينيين الذين فقدوا ابصارهم.

واكدت التقارير الطبية ان هذه الخطوة جاءت كاجراء تجميلي وعلاجي في آن واحد، حيث يسعى المصابون من خلالها الى استعادة جزء من ملامحهم التي شوهتها الحرب، بانتظار فرص مستقبلية لزراعة قرنيات قد تمنحهم املا جديدا في الرؤية مجددا. واضاف الاطباء ان المبادرة لا تقتصر على الجانب المظهري فحسب، بل تمثل دعما نفسيا ضروريا لمساعدة الناجين على الاندماج مجددا في حياتهم اليومية بعد الصدمات التي تعرضوا لها.

وبينت الاحصائيات ان هناك نحو سبعمئة شخص في قطاع غزة فقدوا اعينهم خلال الحرب، بينهم مئة شخص فقدوا كلتا العينين، مما وضع الطواقم الطبية امام تحديات كبيرة لتغطية هذا الاحتياج المتزايد. واوضح مدير مستشفى العيون ان المبادرة بدات بتوفير مئة عين صناعية جاهزة، لكن حجم الطلب تجاوز التوقعات ليصل الى اكثر من ستمئة حالة مسجلة، مما دفع الكوادر الفنية لتطوير مهاراتهم في تكييف وتعديل هذه العيون لتناسب تجويف العين لكل حالة على حدة.

تحديات طبية وحصار مستمر

وشدد مدير المستشفى على ان الاولوية القصوى الان تتمثل في ضرورة فك الحصار وادخال المستهلكات الطبية والخيوط الجراحية اللازمة لاستكمال العمليات، مشيرا الى ان نقص هذه المواد يهدد بتوقف الخدمات الطبية بشكل كامل. واضاف ان هناك فئات من المصابين يعانون من تشوهات معقدة تتطلب تدخلات جراحية دقيقة قبل تركيب العين الصناعية، وهو ما يضطر الطواقم لتأجيل حالاتهم لحين توفر الامكانيات او فتح المعابر لسفرهم للخارج.

وكشفت حالات المصابين مثل المسنة نفوذ العمودي عن حجم المعاناة اليومية، حيث فقدت عينها في قصف استهدف محيط منزلها، مما افقدها توازنها وقدرتها على الحركة بمفردها لفترة طويلة قبل ان تحصل على عين صناعية خففت عنها جزءا من عبء الاصابة. واكدت قصتها ان الفوضى التي تلت القصف منعت الكثيرين من تلقي الاسعافات الاولية في وقتها المناسب، مما ضاعف من حجم الاضرار الدائمة في تجويف العين.

واوضح الاطباء ان استمرار الحرب تسبب في انهيار المنظومة الصحية، حيث توقفت العمليات المجدولة لمرضى المياه البيضاء والشبكية، واصبحت الخدمات مهددة بالزوال نتيجة منع الاحتلال لادخال الاجهزة وقطع الصيانة. واشار استشاري جراحة العيون الى ان الطواقم الطبية تعمل في ظروف قاسية للغاية، ومع ذلك فانهم يصرون على تقديم الدعم النفسي والتقني للمصابين كواجب انساني في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

الجانب النفسي والاجتماعي للاصابة

وبين الاستشاري الطبي ان فقدان العين يترك ندوبا نفسية عميقة تتجاوز الجرح الجسدي، حيث يشعر المصابون بالعزلة وصعوبة العودة للعمل او ممارسة الحياة الطبيعية، مما يجعل من مبادرة العيون الصناعية جسرا للعبور نحو استعادة الثقة بالنفس. واضاف ان الطواقم الطبية تلمس مدى الاثر الايجابي الذي تتركه هذه المبادرة في نفوس المرضى الذين يجدون فيها شعاع امل وسط ركام الحرب والدمار.

واكد الفريق الطبي انهم يسعون جاهدين لسد الفجوة الكبيرة في الخدمات الطبية المتاحة، بالرغم من شح الموارد والمواد اللازمة، مؤكدين انهم سيواصلون محاولاتهم لتقديم العون لاكبر عدد ممكن من المتضررين. واضاف ان الهدف من هذه الجهود هو منح المصابين فرصة للعيش بكرامة ومواجهة التحديات الكبيرة التي فرضها الواقع الميداني في القطاع المحاصر.

واختتم الاطباء حديثهم بالتأكيد على ان استمرار منع دخول المستهلكات الجراحية يظل العائق الاكبر امام تقديم خدمة طبية متكاملة، داعين كل الجهات الدولية الى الضغط لفتح المعابر وتسهيل دخول المعدات الطبية الضرورية لضمان عدم توقف هذه الخدمات الحيوية التي تمس حياة الاف الفلسطينيين.