تتفاقم الازمة الانسانية في قطاع غزة بشكل متسارع مع تزايد اعداد الاطفال الذين فقدوا ذويهم جراء الحرب المستمرة، حيث تشير التقديرات الميدانية الى وجود نحو 85 الف طفل باتوا في عداد الايتام، من بينهم 27 الف طفل فقدوا والديهم بالكامل ليجدوا انفسهم امام واقع مرير ومستقبل مجهول في ظل غياب الرعاية الاسرية والمأوى الامن.

وكشفت التقارير الميدانية ان هؤلاء الاطفال يعانون من فراغ عاطفي ونفسي عميق، حيث اضطر الكثير منهم الى مواجهة مصيرهم بمفردهم في ظروف بالغة الصعوبة، بينما يحاول البعض الاخر التشبث ببارقة امل من خلال مبادرات مجتمعية بسيطة تسعى لتقديم الدعم والمساعدة في ظل تدهور الاوضاع المعيشية.

واوضحت الوقائع الانسانية ان فقدان السند العائلي دفع باطفال غزة الى تحمل مسؤوليات تفوق اعمارهم، اذ تحول الكثير منهم الى معيلين لاشقائهم الاصغر سنا في محاولة لتامين الحد الادنى من احتياجات الحياة اليومية وسط ظروف الحرب القاسية التي تفتك بكل مقومات الاستقرار.

قصص الصمود في وجه الفقد

وبينت قصة الطفلة جنة حجم المأساة التي يعيشها الاطفال، اذ وصلت الى المستشفى وسط فوضى الحرب دون اي معلومات عن عائلتها، لتجد نفسها لاحقا تحت رعاية كفيل احتضنها بعد اجراءات قانونية، مما يبرز الحاجة الملحة لوجود بيئة حاضنة تعوض هؤلاء الاطفال عن دفء العائلة المفقود.

واكد رامي عروقي كافل الطفلة جنة ان الوصول الى هؤلاء الاطفال وتوفير الرعاية لهم يعد تحديا كبيرا، مشددا على اهمية الدور المجتمعي في احتضان الايتام الذين فقدوا كل شيء، معربا عن امله في ان يجد كل طفل فقد عائلته من يمد له يد العون والمحبة ليتجاوز صدمة الحرب.

واضافت نبال، وهي شابة فقدت والديها خلال الحرب، انها تحملت عبء رعاية اشقائها الاربعة منذ سنوات مراهقتها الاولى، موضحة انها تحاول جاهدة تعويضهم عن غياب الام والاب وتامين احتياجاتهم رغم قسوة الظروف التي يعيشونها في غزة.

تحديات مؤسسات رعاية الايتام

وكشف نضال جرادة المدير التنفيذي لمعهد الامل للايتام ان المؤسسة وثقت اكثر من 47 الف طفل يتيم نتيجة الحرب الحالية، مبينا ان حجم الكارثة يفوق قدرة اي مؤسسة فردية على الاستيعاب، ومؤكدا ان الاحتياجات تتضاعف بشكل يفوق الامكانيات المتاحة في ظل استمرار الاوضاع الميدانية.

واشار جرادة الى ان غزة تشهد تحولا خطيرا في التركيبة الاجتماعية، حيث باتت ظاهرة اليتم واقعا يوميا يفرض تحديات جسيمة على المجتمع ومؤسسات الرعاية، موضحا ان المستقبل يظل غامضا لهؤلاء الاطفال الذين يفتقرون الى ابسط مقومات الحياة المستقرة.

واكدت المعطيات الميدانية ان الخسارة في غزة لا تقاس فقط بارقام الضحايا، بل بما تركه العدوان من ندوب عميقة في حياة جيل كامل من الاطفال الذين يواجهون الحياة بلا عائلات تحميهم، مما يستوجب تحركا واسعا للتعامل مع هذه الازمة الانسانية المتفاقمة.