تعيش العائلات الفلسطينية النازحة في قطاع غزة واقعا مريرا يضاهي الموت في قسوته حيث تحاصر أطنان النفايات خيامهم وتفتك بصحة أطفالهم. وتكشف الحاجة نعمة وهي تتفحص أجساد أحفادها التي نالت منها الأمراض الجلدية عن حجم المأساة التي تسببها الحشرات والروائح الكريهة المنبعثة من مكبات القمامة المجاورة لمناطق تواجدهم. وتؤكد الشهادات الميدانية أن الوضع الصحي في المخيمات وصل إلى مستويات كارثية نتيجة تراكم القمامة التي باتت مصدرا دائما للأوبئة والعدوى بين النازحين الذين فقدوا أي فرصة للعيش في بيئة صحية آمنة.
وتوضح التقارير الطبية أن عيادات المخيمات تستقبل يوميا مئات الحالات المصابة بأمراض جلدية ومعوية حادة ناتجة عن التلوث البيئي الناتج عن تكدس المخلفات. وبينت الطبيبة حليمة أبو شاربين أن الطواقم الطبية تواجه ضغطا هائلا مع تزايد أعداد المرضى وتفشي العدوى بين أفراد العائلة الواحدة بشكل سريع. وأضافت أن غياب الإمكانيات الضرورية للتعامل مع هذه الأزمة جعل من الأمراض الجلدية ظاهرة عامة تهدد حياة الآلاف في ظل انعدام أبسط مقومات النظافة والوقاية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يفرض قيودا مشددة تمنع وصول شاحنات نقل النفايات إلى المكبات الرئيسية في مناطق الخط الأصفر. وأكدت المصادر المحلية أن هذا الحصار المتعمد يمنع البلديات من أداء مهامها في تنظيف المناطق السكنية المكتظة. وشددت على أن حشر مليوني إنسان في مساحات ضيقة بالقرب من مكبات القمامة العشوائية فاقم من الأزمة وجعل من إدارة النفايات تحديا مستحيلا في الظروف الراهنة.
تراكم النفايات يهدد المياه الجوفية
وتشير التقديرات إلى وجود مئات الآلاف من أطنان النفايات المتراكمة في مختلف محافظات القطاع نتيجة توقف الخدمات البلدية بشكل كامل منذ بدء الحرب. وأوضح رئيس بلدية المغازي محمد مصلح أن منع الاحتلال للوصول إلى المكبات الرئيسية أدى إلى تحول المناطق العشوائية إلى بؤر بيئية خطيرة. وبين أن هذه المكبات المؤقتة أصبحت تهدد بوصول عصارات النفايات السامة إلى طبقات المياه الجوفية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
وتكشف التحذيرات الأممية أن مشكلة النفايات في غزة بلغت مستويات هائلة تتجاوز قدرة الطواقم المحلية على المعالجة في الوقت الحالي. وأظهر المسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أليساندرو مراكيتش أن المواقع الرئيسية للتخلص من النفايات باتت محظورة تماما على الفلسطينيين. وأكد أن هناك خططا مستقبلية لمعالجة النفايات وتوليد الطاقة منها لكنها تظل معطلة في انتظار السماح بدخول المعدات والآليات الضرورية.
ويستمر الاحتلال في منع إدخال الآلات اللازمة لترميم البنية التحتية الأساسية في القطاع بالمخالفة لكل التفاهمات الدولية. وكشفت البلديات أن هذا التعنت يمنع استئناف عمليات جمع القمامة بشكل منظم مما يبقي التهديد الصحي قائما على مدار الساعة. وأضافت أن السكان يواجهون مخاطر صحية وبيئية مركبة لا يمكن التغلب عليها دون تدخل عاجل لإعادة تشغيل المرافق الخدمية وإخراج النفايات من محيط التجمعات السكنية.
