تتصاعد اصوات الات الحفر وسط غزة في مشهد يعكس صمود الحرفيين امام واقع مرير تفرضه الحرب. حيث تغوص اسطوانات معدنية في اعماق التربة بحثا عن خزان جوفي يروي ظمأ الاف النازحين الذين تقطعت بهم السبل. يعمل العمال بتنسيق عالٍ لرفع المواسير وتثبيتها في سباق مع الزمن لتوفير مصدر دائم للمياه بعد ان دمرت الهجمات معظم الابار وشبكات الضخ الرئيسية.
واظهرت الميدان ان هذا العمل الشاق اصبح طوق نجاة لا غنى عنه في مناطق الايواء التي تعاني من شح حاد في الموارد الاساسية. واكد العمال ان عملية الحفر تتطلب دقة متناهية وخبرة فنية لتجنب انهيار التربة او تعطل المعدات في ظل ندرة الوقود وقطع الغيار الضرورية لاستمرار هذه المهمة الحيوية.
واضاف المقاول حمزة فلفل ان التحديات تتضاعف يوميا بسبب نقص الامكانيات وتكلفة الحفر الباهظة التي تصل الى مبالغ طائلة. مبينا ان الفرق تحاول جاهدة تلبية نداءات مراكز الايواء المكتظة التي تعتمد كليا على هذه الابار المستحدثة لتامين احتياجات الاف العائلات من مياه الشرب والاستخدام اليومي.
حرفة تجلب الحياة في زمن الحرب
وبين فلفل ان العمل في حفر الابار لم يعد مجرد مهنة بل صار رسالة انسانية لمواجهة العطش الذي يهدد حياة الالاف في القطاع. واوضح ان كل بئر يتم انجازه يشكل فارقا جوهريا في حياة النازحين الذين كانوا يضطرون سابقا لقطع مسافات طويلة للحصول على كميات قليلة من المياه من صهاريج غير منتظمة.
وكشفت تجربة مركز سند للايواء عن نجاح هذه المبادرات في تخفيف المعاناة عن الاف النازحين الذين يعيشون في خيام متلاصقة. واشار رامز جندية من ادارة المركز الى ان توفر البئر داخل الموقع خفف الضغط الكبير عن السكان وساهم في تعزيز التكافل الاجتماعي من خلال توفير خزانات مياه خارجية متاحة للجميع.
وتابع جندية ان الخطوة القادمة هي توسيع نطاق الاستفادة من هذه المصادر لخدمة المناطق المجاورة للمركز. موضحا ان الادارة تعمل على توزيع المياه بشكل عادل لضمان وصولها الى اكبر عدد ممكن من العائلات التي تعاني من نقص حاد في كافة المستلزمات المعيشية.
قيود سقطت تحت وطاة الازمة
وذكر المدير العام لسلطة المياه وجودة البيئة مازن البنا ان الاوضاع الاستثنائية فرضت واقعا جديدا يتجاوز القوانين التنظيمية المعتادة. واكد ان الجهات المختصة تغض الطرف عن عمليات الحفر العشوائي نظرا لعدم قدرة البلديات على تقديم الخدمة في ظل تدمير البنية التحتية وتوقف محطات الضخ.
واوضح البنا ان هناك مخاطر بيئية محتملة جراء التوسع في الحفر دون رقابة دقيقة مثل تلوث الخزان الجوفي او استنزافه. مشددا على ان الاولوية القصوى الان هي انقاذ حياة الناس من العطش على ان يتم تنظيم القطاع وضبطه فور استعادة الاستقرار في المنطقة.
وكشفت التقديرات الرسمية ان متوسط استهلاك الفرد اليومي من المياه انخفض الى مستويات كارثية لا تتجاوز 5 لترات. مبينا ان هذا الرقم يقل بكثير عن المعايير الانسانية الدولية التي تقر بضرورة توفير 15 لترا كحد ادنى للبقاء على قيد الحياة في ظل الظروف الصعبة.
ارقام صادمة حول التدهور البيئي
واظهر بيان مشترك صادر عن الجهاز المركزي للاحصاء وسلطة المياه ان اكثر من 85 بالمئة من مرافق المياه والصرف الصحي تعرضت للتدمير الكلي او الجزئي. واضاف ان هذا الانهيار ادى الى انتشار مياه الصرف الصحي في المناطق السكنية مما فاقم من انتشار الامراض الجلدية والمعوية بين النازحين.
واكد البيان ان النساء والفتيات هن الاكثر تضررا من هذه الازمة المائية التي تمس خصوصيتهن وصحتهن الانجابية بشكل مباشر. واوضح ان اكثر من 700 الف امراة يواجهن صعوبات بالغة في ادارة النظافة الشخصية بسبب ندرة المياه وانعدام مواد التنظيف الاساسية.
وبين ان الاعباء الصحية تضاعفت على الاسر التي تضطر للاعتماد على الاطفال لجلب المياه من مصادر بعيدة وغير امنة. موضحا ان المجتمع يعيش حالة من الاستنزاف المستمر في ظل غياب الحلول الجذرية لاعادة تاهيل البنية التحتية المائية التي تعد عصب الحياة في القطاع.
