يقف عبد الرحمن ابو عسكر وسط مقبرة مشروع بيت لاهيا شمال شرق مدينة غزة بحالة من الذهول التام حيث لم يعد المكان يشبه الارض التي ودا فيها احبته في وقت سابق. واكد عبد الرحمن ان المقبرة التي كانت تضم جثامين اثنين من اخوته واثنين من اعمامه وجدته قد تغيرت ملامحها بالكامل بعد الاجتياح العسكري للمنطقة. واشار الى ان الارض باتت خالية من اي شواهد تدل على اماكن الدفن مما جعله في حيرة من امره حول مصير رفات عائلته.

واوضح ان هذا الغموض يضاعف من معاناته النفسية ويزيد من حدة الالم الذي تعيشه اسرته منذ فقدانهم. واضاف ان حرمة الموتى انتهكت بشكل قاسي حيث لم يعد الفقد مقتصرا على الرحيل بل امتد ليشمل ضياع اماكن الدفن وحرمان الاحياء من حقهم في معرفة مصير موتاهم. وشدد على ان ما حدث يمثل ضربة قاسية لذاكرة العائلات الفلسطينية التي فقدت اخر صلة مادية باحبتها.

وبين عبد الرحمن انه حاول مرارا الاستدلال على مواقع القبور من خلال علامات بسيطة كالحجارة او الاشجار المحيطة لكنه لم يجد شيئا. واكد ان الدبابات جرفت كل شيء وسوت القبور بالارض مما ادى الى تناثر الشواهد والعظام في مشهد يعكس قسوة الواقع. واضاف ان هذه المقابر لم تكن مجرد اماكن للدفن بل كانت مخزنا لذكريات وارواح لا يمكن ان تختفي بهذه الطريقة.

طمس معالم الذاكرة الجماعية

وكشفت شهادات اخرى عن انتهاكات ممنهجة طالت مقابر في مناطق مختلفة من قطاع غزة بما في ذلك خان يونس. وافاد مواطنون ان بعض الجثامين تعرضت لاستخراج غير قانوني مع ملاحظة تشوهات في اجزاء من الاطراف مما يثير تساؤلات حول طبيعة العمليات التي تجري داخل هذه المواقع. واكد الشهود ان الجرافات العسكرية قامت بتكديس الجثامين فوق بعضها قبل اعادة دفنها في مقابر جماعية عشوائية.

واضاف ان الاهالي الذين يتمكنون من التعرف على رفات اقاربهم يضطرون لدفنهم في مقابر مؤقتة وسط الخيام بعيدا عن مسقط راسهم. واشار الى ان تكرار هذه الحوادث في جباليا ورفح والشيخ رضوان يؤكد وجود سياسة واضحة لتقويض البنية الاجتماعية والروحية في القطاع. وبين ان هذه الممارسات تعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الذي يحمي حرمة الموتى.

وذكرت تقارير حقوقية ان اكثر من 93 في المئة من مقابر قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي او الجزئي منذ بدء العمليات العسكرية. واكد المرصد الاورومتوسطي ان هذا الاستهداف الممنهج يهدف الى محو الاثار المادية وقطع الصلة التاريخية بين الفلسطينيين وارضهم. واضاف ان تحليل البيانات يظهر ان العشرات من المقابر الرسمية باتت خارج الخدمة تماما نتيجة التجريف والنبش المتعمد.

تخريب مسرح الجريمة

وقال رامي عبده رئيس المرصد الاورومتوسطي ان توثيق حالات نبش القبور يظهر نية مبيتة لخلط الرفات وايقاع اكبر قدر من الضرر النفسي بالاحياء. واضاف ان نبش مئات القبور في مقبرة البطش خلال شهر يناير الماضي يعد دليلا على استمرار هذه الانتهاكات. واكد ان صعوبة الوصول للمواقع تمنع حصر الاعداد الحقيقية للجثامين المفقودة او المختلطة.

واشار الى ان خلط الرفات يعرقل مسار العدالة ويمنع تحديد هويات الضحايا بدقة خاصة في القضايا التي يشتبه بوقوع اعدامات ميدانية فيها. واضاف ان هذا التخريب المتعمد لمسرح الجريمة يهدف الى طمس الادلة التي قد تدين المتورطين في جرائم حرب. وشدد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الممارسات التي تمس الكرامة الانسانية.

ودعا عبده المحكمة الجنائية الدولية الى ادراج ملف المقابر ضمن تحقيقاتها الجارية واعتباره جريمة مستقلة تستوجب الملاحقة. واضاف ان القانون الدولي ونظام روما الاساسي يجرمان بوضوح الاعتداء على حرمة الموتى. وطالب بتشكيل لجان تحقيق دولية متخصصة لتوثيق هذه الوقائع الميدانية التي تعكس حجم الاستباحة للمقدسات والمدنيين.

ازمة نقص اماكن الدفن

واكد زياد عبيد مدير دائرة المقابر في وزارة الاوقاف ان معظم مقابر غزة تقع في مناطق حدودية مما يجعلها عرضة دائمة للتجريف. واضاف ان الكثير من هذه المواقع اصبحت غير قابلة للوصول مما يفاقم ازمة البحث عن اماكن بديلة للدفن. وبين ان استمرار القصف والاجتياحات دمر مقابر استراتيجية كانت تستوعب اعدادا كبيرة من الضحايا.

واشار الى ان الاهالي باتوا يلجؤون لدفن موتاهم في افنية المنازل او في اراض خاصة بسبب انعدام الخيارات المتاحة. واضاف ان هذه الازمة تدفع البعض لنقل جثامين اقاربهم الى مناطق بعيدة كدير البلح مما يزيد من معاناتهم في ظل ظروف النزوح القاسية. وشدد على ان هذه المعاناة جزء لا يتجزا من واقع الحرب المستمر على الشعب الفلسطيني.

واوضح ان طواقم الدفاع المدني تبذل جهودا مضنية لتوثيق الانتهاكات رغم ضعف الامكانيات المتاحة. واضاف انهم يتبعون بروتوكولات دقيقة لفرز الرفات وترميزها لضمان حفظ كرامة الموتى وتسهيل التعرف عليهم لاحقا. وبين ان التنسيق مع الجهات المختصة يهدف الى بناء قاعدة بيانات توثق كل تفصيلة صغيرة قد تساعد العائلات في استعادة رفات ذويها في المستقبل.