تتجول ريهام عطاري في اسواق جنين بحثا عن ملابس لاطفالها بأسعار تتناسب مع ما تبقى من راتبها الحكومي الذي وصل منقوصا قبل ايام من حلول عيد الاضحى. وتوضح ريهام التي تعمل في القطاع العام منذ ستة عشر عاما ان حياتها وعائلتها المكونة من سبعة افراد اصبحت محفوفة بالتحديات المعيشية الصعبة في ظل سياسة صرف اجزاء من الرواتب كل اربعين يوما او اكثر. وتضيف ان الراتب الذي تتقاضاه لا يغطي بالكاد الحد الادنى من الاحتياجات الاساسية كأقساط الجامعات وفواتير الكهرباء والمياه ومصاريف النقل اليومية التي تستنزف ميزانيتها المحدودة.
واكدت ريهام ان واقعها يعكس حال آلاف الموظفين الذين باتوا غارقين في الديون قبل استلام دفعات رواتبهم المقتطعة. واوضحت ان المصاريف اليومية لابنائها الجامعيين واحتياجات المنزل المتصاعدة في ظل ارتفاع اسعار الوقود والسلع تجعل من التخطيط المالي امرا مستحيلا. وبينت ان الحكومة لم تقدم حلولا جذرية توازن بين استمرار الدوام الوظيفي ومتطلبات الحياة اليومية للموظفين الذين يعانون من تآكل القدرة الشرائية.
واشار العديد من التجار في جنين الى ان الاسواق تشهد ركودا غير مسبوق مقارنة بالمواسم السابقة حيث تراجعت حركة البيع بنسب كبيرة وصلت في بعض القطاعات الى ثمانين بالمئة. واضافوا ان التركيز بات منصبا على ملابس الاطفال فقط مع عزوف شبه كامل عن شراء الالعاب والكماليات الاخرى. وشدد التجار على ان ضعف السيولة لدى الموظفين الذين اضطروا لتسديد التزاماتهم وديونهم فور صرف الرواتب ادى الى شلل تجاري واسع واغلاق عشرات المحال التجارية ابوابها لعدم قدرتها على تغطية التكاليف التشغيلية.
واقع الاسواق وتراجع الطلب
وكشف عدي الغول صاحب بسطة لالعاب الاطفال ان الاقبال على الشراء ضعيف جدا وان العائلات اصبحت تستغني عن الالعاب كليا لصالح توفير ثمن الملابس. واضاف ان شارع ابو بكر الذي كان يعج بالحركة في مثل هذا الوقت من كل عام اصبح يشهد هدوءا مخيبا للامال. وبين ان الكثير من المواطنين يكتفون بالتفرج على البضائع دون قدرة فعلية على الشراء بسبب الازمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب كافة مناحي الحياة.
وذكر عايد خمايسة تاجر الاحذية ان مجمع النفاع التجاري يبدو خاليا من المتسوقين رغم اقتراب عيد الاضحى مشيرا الى ان المحال التجارية تعاني من تكدس البضائع دون وجود مشترين. واوضح ان الوضع اصبح اشبه بنكبة اقتصادية للمحلات الصغيرة التي لا تستطيع الصمود امام ضعف القوة الشرائية وغياب حركة التسوق المعتادة. واكد ان صرف الرواتب قبل العيد بيومين لم يغير شيئا لان الاموال ذهبت مباشرة لسداد الديون المتراكمة.
واضاف ادهم تيسير تاجر البهارات ان المتسوقين يضعون اولويات دقيقة جدا تركز على ما يسعد الاطفال فقط مع الغاء كامل لمظاهر الاستهلاك الاخرى. وبين ان اغلاق المعابر والحواجز ومنع دخول فلسطينيي الداخل اثر بشكل مباشر وعميق على حجم السيولة في سوق جنين. واكد ان العديد من التجار الصغار قرروا ترك السوق نهائيا بعد عجزهم عن دفع اجارات المحلات والالتزامات المالية المترتبة عليهم.
ازمة الاضاحي والاعتداءات
وكشف المتحدث باسم وزارة الزراعة محمود فطافطة ان الطلب على الاضاحي سجل تراجعا لافتا هذا العام نتيجة حرمان الاف العمال من عملهم داخل الخط الاخضر وتدني مستوى الرواتب الحكومية. واضاف ان المواطنين باتوا يفاضلون بين توفير الطعام والكهرباء وبين شراء الاضحية التي اصبحت تكلفتها تعادل متوسط راتب الموظف. وبين ان الوزارة تتوقع توافر ثمانين الف رأس فقط هذا العام مقارنة بمعدلات سنوية كانت تصل الى مئة واربعين الف رأس.
واكد المهندس زياد نصار من قسم الثروة الحيوانية ان الاعتماد اصبح كليا على نظام الحصص في ذبح العجول لتقليل التكاليف على المواطنين. واوضح ان سعر الاضحية اصبح يشكل عبئا كبيرا على الاسر الفلسطينية التي تراجعت قدرتها الشرائية بشكل حاد. واضاف ان المزارع الفلسطينية تعاني من صعوبات جمة في ظل غياب الدعم الكافي ومواجهة تحديات الاستيراد والتربية المحلية.
واشار نصار الى ان اعتداءات المستوطنين وسرقة المواشي في مناطق الاغوار ورام الله والخليل ساهمت في تقليص اعداد الثروة الحيوانية ورفع اسعارها. وكشفت بيانات وزارة الزراعة ان خسائر مربي الماشية خلال فترة وجيزة بلغت مئات الاف الدولارات نتيجة هذه الاعتداءات. وبين ان هذا التناقص في اعداد المواشي المتاحة للاضاحي يعكس حجم الضرر الذي يلحق بقطاع الزراعة والثروة الحيوانية في ظل الظروف السياسية والامنية الراهنة.
رؤية اقتصادية للازمة
واوضح الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم ان احتجاز اموال المقاصة من قبل الجانب الاسرائيلي منذ سنوات هو السبب الجوهري وراء انهيار السيولة المالية لدى السلطة الفلسطينية. واضاف ان احتجاز اموال الشهداء والاسرى ومستحقات قطاع غزة فاقم من تداعيات الازمة المعيشية التي تلمسها كل اسرة فلسطينية اليوم. وبين ان هذه السياسات تهدف الى اضعاف البنية الاقتصادية الفلسطينية بشكل ممنهج.
واكد عبد الكريم ان المواطنين يتحملون اعباء ازمات لا ناقة لهم فيها ولا جمل مما يستدعي من الحكومة التحرك بجدية لترشيد الانفاق وتحديد الاولويات. واضاف ان الحاجة ملحة لخلق حوار مجتمعي شفاف يوضح للناس طبيعة الازمة والخطوات الممكنة للتخفيف من حدتها. وبين ان الصمود الفلسطيني يظل الخيار الوحيد امام هذه التحديات رغم قسوة الظروف المعيشية التي تفرضها الازمات المالية المتلاحقة.
واشار الخبير الى ضرورة البحث عن بدائل اقتصادية تقلل من الاعتماد على مصادر الدخل المهددة بالاحتجاز. واضاف ان الحكومة مطالبة بالشفافية في ادارة الملف المالي لتعزيز الثقة مع المواطنين في هذه المرحلة الحرجة. وبين ان التحدي الاكبر يكمن في كيفية الموازنة بين متطلبات البقاء اليومي وبين الحفاظ على مؤسسات الدولة في ظل هذه الضغوط الاقتصادية الشديدة.
