في الوقت الذي يترقب فيه اطفال العالم حلول الاعياد بلهفة وشوق لارتداء الملابس الجديدة والحصول على الالعاب والهدايا تختلف خارطة الامنيات تماما لدى اطفال قطاع غزة حيث تحولت طقوس البهجة الى تطلعات للبقاء على قيد الحياة. وتتركز احلام هؤلاء الصغار الذين يعيشون وسط خيام النزوح وتحت وطأة اصوات الطائرات في الحصول على ليلة نوم هادئة دون خوف او العودة الى منازلهم التي سوتها الغارات بالارض. وتكشف المعايشة الميدانية ان براءة الطفولة في القطاع اصبحت مثقلة بتفاصيل قاسية تتجاوز قدرة الصغار على التحمل لكنها تظل نابضة بالامل في واقع مرير.

وتقول الطفلة ياسمين احمد التي غلبتها دموعها قبل الحديث عن امنيتها ان العيد فقد بريقه منذ رحيل اشقائها الذين كانوا يضفون على حياتها السعادة. واضافت ان امنيتها الوحيدة هي لقاء اخوتها الشهداء الذين قضوا في غارة جوية اثناء بحثهم عن الحطب لعدم توفر الغاز. واكدت ان هذه الامنية تتردد في قلبها اكثر من اي رغبة دنيوية اخرى في ظل فقدانها للدفء العائلي وافتقادها لاجواء العيد التي كانت تجمعهم في السابق.

وبين جبريل ظاهر ان العيد بالنسبة له لم يعد يعني الفرح واللعب مع الاصدقاء كما كان في السابق. واوضح ان اصابته البالغة التي خلفتها الحرب جعلت حركته محدودة ومقيدة بعكازين خشبيين. وشدد على ان كل ما يتمناه هو الحصول على عكازات جديدة ومناسبة تساعده على استعادة جزء بسيط من قدرته على الحركة والمشي ليعود الى ممارسة حياته الطبيعية بعيدا عن اوجاع النزوح.

واقع مرير يسرق براءة الاطفال

واستحضر الطفل كريم ابو العوف ذكريات ايام العيد الجميلة حين كان يرافق والده لتوزيع لحوم الاضاحي على الجيران والاقارب. واضاف ان الواقع الحالي في الخيام جعل من تلك الطقوس مجرد ذكرى بعيدة المنال. واكد ان طموحه اليوم لا يتعدى العودة الى مقاعد الدراسة في مدرسة حقيقية تحتوي على سبورة ومقاعد مريحة بدلا من خيمة النزوح التي لا توفر ادنى مقومات التعليم او الراحة.

وتعيش الطفلة فدية ابو ضرابي قصة فقد اخرى قاسية حيث تشتتت عائلتها بين الشهادة والمرض في المستشفيات. واضافت انها تجد نفسها وحيدة مسؤولة عن شقيقتها الصغيرة التي تنادي والدها الشهيد باستمرار. وبينت انها تضطر لعرض صورة والدها امام الطفلة لتخفيف حيرتها وايهامها بوجوده بينما يذوب قلبها الما على ضياع طفولتها تحت وطأة المسؤوليات الثقيلة.

وذكرت الاخصائية النفسية اية المقيد ان الاحتلال يمارس سياسة ممنهجة لاغتيال طفولة ابناء غزة وحرمانهم من حقوقهم الاساسية. واضافت ان الاطفال يعانون من صدمات مركبة بسبب فقدان الاهل والامان. واوضحت ان محاولات الاطفال تزيين خيامهم البسيطة ليست مجرد احتفال بل هي آلية دفاعية نفسية للتمسك بالحياة ومواجهة محاولات سحق انسانيتهم في ظل غياب كامل للمتنزهات والمرافق الترفيهية.

جيل الصدمات والبحث عن الامل

واكدت المقيد ان استمرار الحرب يضع جيلا كاملا من الايتام في مواجهة معارك نفسية معقدة تتطلب تدخلا عاجلا. واضافت ان فقدان الحضن الدافئ يمثل الفجوة الاكبر في حياة هؤلاء الاطفال الذين يفتقدون اليوم حائط الصد النفسي الاول المتمثل في العائلة. وشددت على ان المجتمع الدولي مدعو للالتفات الى حجم التداعيات النفسية التي خلفتها الحرب.

وبينت الاحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة ان اعداد الاطفال الشهداء تجاوزت ٢١ الفا منذ بداية الحرب في اكتوبر من العام قبل الماضي وحتى ابريل من العام الحالي. واضافت ان هذه الارقام تعكس حجم المأساة التي تضرب الطفولة في غزة. واكدت ان الاطفال يظلون الضحية الاكبر في هذا الصراع الذي سلبهم ابسط حقوقهم في العيش واللعب والامان.

واظهرت المتابعات ان الاطفال رغم كل ما مروا به يحاولون ابتكار بدائل للفرح في الممرات الضيقة بين الخيام. واضافت المقيد ان هذا الصمود يعكس قوة ارادة داخلية لدى الصغار. واوضحت ان تمسكهم بالحياة رغم انعدام الامكانيات يثبت ان الطفولة في غزة هي عنوان للارادة والامل وسط ركام لا يكاد يتوقف عن التزايد في كل مكان.