في ظل ظروف استثنائية يعيشها قطاع غزة، تتجسد معاني الصمود في ورش عمل صغيرة لا تتوفر فيها مقومات الرفاهية، حيث يتولى اشخاص من ذوي الاعاقة وضحايا الحرب رسم ملامح البهجة قبيل حلول عيد الاضحى. وتنشط في هذه الايام مهن الحلاقة والخياطة وصيانة الاحذية، ليس كخدمات تجارية فحسب، بل كمحاولات جادة للحفاظ على الكرامة ومواجهة تداعيات الحرب، حيث يواصل هؤلاء ابطال الارادة عملهم رغم فقدانهم للادوات والمعدات التي دمرتها الغارات الاسرائيلية.
واظهرت الجولات الميدانية في المناطق الوسطى بقطاع غزة، ان هؤلاء الحرفيين يصرون على ممارسة مهنهم رغم الجراح والاصابات التي تعرضوا لها. وبينما يقف حلاق على عكازه لساعات طويلة لترتيب مظهر الزبائن، يجلس خياط اصم خلف ماكينته الوحيدة التي نجا بها من ركام مصنعه، ليعيد حياكة ما تيسر من القماش، مؤكدا ان العيد لا يكتمل الا بمحاولة ادخال السرور على قلوب الاطفال.
واضاف هؤلاء الحرفيون ان العمل في الخيام المتهالكة او الورش الصغيرة وسط ضجيج الحرب ليس خيارا، بل هو السبيل الوحيد لاعالة اسرهم وتوفير الحد الادنى من متطلبات الحياة. واكدوا ان العائد المادي لم يعد الهدف الاسمى، بل اصبحت الغاية هي الشعور بالانجاز والاستمرار في الحياة رغم كل الظروف القاسية التي تحيط بهم وبمجتمعهم.
خيّاط غزة يتحدى الصمت والدمار
وبين جدران داكنة تملؤها اثار الرطوبة، يعمل يحيى النجار البالغ من العمر 56 عاما، وهو اصم ومصاب في قدمه، بتركيز شديد على ماكينة خياطة صارت هي كل ما تبقى من ورشته. وتلعب ابنته ياسمين دور المترجم بينه وبين الزبائن، حيث تحول لغة اشارته الى كلمات واضحة، وتدير عملية التواصل بكفاءة عالية تضمن حقوق والدها وتلبي احتياجات الناس بدقة.
واوضحت ياسمين ان والدها يصر على اتمام مهامه رغم المه واصابته بالبلاتين في قدمه، مشيرة الى ان الموارد من خيوط وابار اصبحت شحيحة للغاية وباهظة الثمن. وبينت ان الورشة تشهد اقبالا من الشباب الباحثين عن ترتيب ملابسهم، مؤكدة ان والدها يجد في كل قطعة قماش يرممها فرصة لزرع الامل في قلوب عائلات فقدت الكثير خلال اشهر الحرب.
وكشفت القصص الانسانية داخل ورشة الخياطة عن مواقف مؤثرة، مثل قصة ام اتت بثوب مهترئ استخرجته من تحت الركام، طالبة تحويله الى ملابس لطفلتيها. واكد النجار من خلال اشاراته ان كل غرزة يقوم بها هي محاولة لترميم شيء من حياة الناس، معتبرا ان فرحة طفل بقطعة ملابس جديدة او مرممة هي المكافأة التي ينتظرها في هذا الموسم.
حلاق بعكاز يرفض الاستسلام
وفي خيمة متواضعة، يمارس الشاب محمد ابو حسين مهنة الحلاقة وهو يعتمد على عكازه بعد بتر قدمه في قصف استهدف معسكر جباليا. ورغم ان هذه المهنة تتطلب وقوفا طويلا، الا ان محمد طوع جسده للموازنة على ساق واحدة، معتبرا ان ارادته اقوى من اي عائق جسدي، حيث يقضي ساعات طويلة في العمل لضمان ان يخرج الزبائن بابهى صورة.
واشار ابو حسين الى انه يواجه صعوبات جمة في البداية، حيث كان يسقط كثيرا ويشعر بالارهاق، لكنه اصر على الاستمرار لان الحلاقة بالنسبة له ليست مجرد مهنة، بل هي وسيلة لرفع معنويات الناس الذين يحتاجون الى الشعور بالحياة. وبين ان ليلة العيد هي الاكثر ضغطا، حيث يزداد عدد الزبائن، مما يضطره للعمل لاوقات متأخرة رغم الالام الجسدية المبرحة.
واكد الحلاق محمد الشعراوي، وهو صاحب صالون سابق تعرض للتدمير، ان مهنة الحلاقة اصبحت صالونا متنقلا يرافقه في كل نزوح. واضاف ان تكلفة الكهرباء وادوات الحلاقة تضاعفت بشكل جنوني، مما يجعله يواجه تحديات مالية كبيرة، ومع ذلك يستمر في عمله ليعيل اسرته واسرة شقيقه الشهيد، محاولا الحفاظ على نظافة ادواته رغم محدودية الموارد.
ترميم الاحذية كضرورة اقتصادية
وفي ورشة صغيرة اخرى، يجلس خالد الجوجو امام ماكينة خياطة قديمة لصيانة الاحذية والحقائب، حيث اصبحت هذه المهنة ملاذا للعديد من العائلات التي تعاني من تراجع القدرة الشرائية. واوضح الجوجو ان معظم زبائنه هم من الاباء والامهات الذين يفضلون اصلاح احذيتهم القديمة لتوفير المال وشراء الجديد لاطفالهم، مما يجعل من ورشته مساحة ستر يومية للفقراء.
وبين ان ترميم الحذاء اصبح قرارا اقتصاديا ذكيا، حيث يمكن اعادة القطعة للخدمة بتكلفة بسيطة جدا مقارنة بسعر الشراء. واشار الى ان ندرة المواد الخام كالخيوط القوية تجبره على استخدام ما تبقى لديه من مخزون قديم، مؤكدا انه يتعامل مع هذه الادوات كأنها رصيد ثمين يضمن استمرار عمله في ظل الحصار.
واختتم الجوجو حديثه بالتأكيد على ان المشهد العام في غزة يعكس ارادة صلبة، حيث يسعى الجميع، كل في مجاله، للتمسك بتفاصيل العيد رغم كل ما مروا به. واضاف ان الغرزة التي يضعها في الحذاء او القماش ليست مجرد عمل فني، بل هي رسالة صمود تعبر عن رغبة الغزيين في الاحتفال بكرامة رغم قسوة الظروف.
