وسط اجواء العيد التي تخيم على قطاع غزة، تخرج نادية ابو جلهوم من خيمتها المتهالكة في مخيم جباليا شمال القطاع لتسلك طريقا اعتادت عليه بعد الحرب، حيث تتجه المسنة الفلسطينية بخطوات ثقيلة نحو مقبرة الفالوجا لتقف امام شواهد قبور ابنائها واحفادها الذين خطفتهم نيران العدوان، وتجلس نادية هناك تقرأ الفاتحة وتغرق في دعواتها للراحلين الذين كانوا يوما ما يملؤون حياتها بهجة في مثل هذه الايام.
وكشفت نادية ان زيارة المقبرة اصبحت طقسا يوميا لا غنى عنه في كل عيد منذ فقدان افراد عائلتها، مؤكدة ان مشهد العيد تغير جذريا لديها من تجمعات عائلية دافئة في المنزل الى لحظات صمت وحزن امام القبور، واظهرت كلمات السيدة المكلومة حجم الالم الذي تعيشه وهي تستذكر ابناءها انور واحمد وخميس وابنتها ساهرة، اضافة الى حفيدها الصغير معاذ الذي لم يتجاوز خمس سنوات حين ارتقى شهيدا.
وبينت الام الفلسطينية ان فاجعتها لم تكن دفعة واحدة، موضحة ان ابناءها رحلوا على فترات متقاربة لم تتجاوز العشرة ايام بين كل شهيد وآخر، متسائلة بحرقة عن قدرة اي ام على تحمل هذا الفقد المتلاحق، واضافت ان غيابهم لم يسرق فرحة العيد فحسب بل قلب موازين حياتها اليومية، خاصة مع وجود اطفال صغار في العائلة يسألون باستمرار عن آبائهم الذين غيبهم الموت في الحرب.
واقع مرير بين خيام النزوح وذكريات الفقد
واكدت نادية ان معاناتها تتجاوز فقدان الابناء، مشيرة الى انها تعيش حاليا في خيمة تفتقر لادنى مقومات الحياة بعد ان دمرت الحرب منزلها، واوضحت ان قسوة الصيف ونقص المياه واحتياجات المعيشة اليومية تزيد من وطأة مأساتها، وبينت ان موقع اقامتهم قرب الخط الاصفر شمال غزة يجعلهم في حالة رعب دائم بسبب اطلاق النار المستمر من قبل قوات الاحتلال في محيط المنطقة.
وشددت المسنة على اصرارها رغم كل المخاطر الامنية والظروف القاسية على زيارة المقبرة في كل مناسبة، واضافت انها تنهي زيارتها بهدوء لتعود الى خيمتها التي تؤوي من تبقى من عائلتها، واظهرت الاحصاءات الاخيرة الصادرة عن وزارة الصحة في غزة ارتفاع حصيلة الشهداء الى اكثر من 72 الف شهيد، مع استمرار تصاعد اعداد الضحايا والمصابين نتيجة العدوان المستمر منذ اكتوبر الماضي.
استمرار التداعيات الانسانية للحرب
واوضحت التقارير الرسمية ان عدد الشهداء في تزايد مستمر مع انهيار فترات الهدوء، واكدت ان الوضع الانساني في القطاع يزداد سوءا مع مرور الايام، وبينت ان قصص الناجين مثل قصة نادية تعكس جانبا من المأساة الجماعية التي تعيشها العائلات الفلسطينية، واضافت ان طقوس العيد في غزة لم تعد تحمل في طياتها سوى ذكريات الغائبين والبحث عن الامان في خيام النزوح.
