بينما ينشغل العالم بمتابعة التوترات العسكرية المتصاعدة بين ايران واسرائيل، وتغرق العواصم الكبرى في تحليل مآلات الصراع الاقليمي، تواصل تل ابيب تنفيذ سلسلة من الاجراءات الاستراتيجية على الارض في الضفة الغربية والقدس المحتلة. وتستغل حكومة اليمين المتطرف حالة الانشغال الدولي لتمرير تغييرات قانونية وادارية جذرية تهدف الى فرض واقع جديد ينهي اي فرصة لقيام دولة فلسطينية في المستقبل.

واظهرت التطورات الاخيرة ان المواجهة مع طهران لم تعد بالنسبة لصناع القرار في اسرائيل مجرد تحد امني، بل تحولت الى غطاء مثالي لتصفية القضية الفلسطينية عبر انقلاب تشريعي صامت. واوضحت التقارير الميدانية ان هذه التحركات تسير بسرعة غير مسبوقة، مستفيدة من تراجع الاهتمام الدولي بالملف الفلسطيني في ظل انظار العالم المتجهة نحو صراعات اخرى.

وكشفت المعطيات ان اسرائيل بدأت في تنفيذ مشاريع توسعية تهدف الى تغيير الواقع الديموغرافي والقانوني في الضفة الغربية، مما يعزز من سيطرة المستوطنين على مساحات شاسعة من الاراضي. واكد مراقبون ان هذه الخطوات تأتي ضمن رؤية اسرائيلية شاملة لاعادة رسم خريطة المنطقة بعيدا عن الضغوط الدبلوماسية المعتادة.

تسارع وتيرة الضم الميداني

وبينت الحكومة الاسرائيلية في قراراتها الاخيرة توجهات نحو تسجيل مساحات ضخمة من الضفة الغربية كأراض تابعة للدولة، وهو اجراء لم يشهده الوضع منذ عقود طويلة. واضافت المصادر ان هذه الخطوة تهدف الى تقويض الحقوق الملكية للفلسطينيين وتسهيل عمليات الاستيطان، مما يمهد لضم فعلي وعملي لاجزاء واسعة من الاراضي المحتلة بغطاء قانوني جديد.

وتابعت السلطات الاسرائيلية نهجها عبر الغاء قوانين قديمة كانت تمنع المستوطنين من التملك في الضفة، مع نقل صلاحيات الادارة المدنية الى سلطات الاحتلال بشكل مباشر. واوضحت التقارير الحقوقية ان هذا التفكيك للبنى القانونية القائمة يهدف الى دمج الضفة في اطار اداري اسرائيلي موحد، مما يفتح الباب امام توسع استيطاني غير مسبوق.

واكدت الوقائع الميدانية تصاعد العنف الاستيطاني بشكل لافت، حيث اصبحت الاعتداءات ضد الفلسطينيين ظاهرة يومية تتسم بالتواطؤ الرسمي. واوضحت منظمة بتسيلم ان انتشار المستوطنين المسلحين يهدف الى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، مما يسهل عملية السيطرة على الاراضي وتفريغها من سكانها الاصليين في ظل غياب اي رد فعل فلسطيني رسمي فعال.

تغييب الدور السياسي والتحذيرات الدولية

وقال المحلل السياسي عريب الرنتاوي ان اسرائيل تستثمر غياب رد الفعل الفلسطيني الشعبي والسياسي لفرض تغييرات جوهرية بتكلفة منخفضة. واضاف ان اليمين المتطرف يراهن على انشغال العالم، بينما تتقدم اسرائيل بخطى ثابتة نحو اسرلة القدس والضفة الغربية، مستكملة مشروعها الاستراتيجي في قلب المنطقة.

وتابع الرنتاوي موضحا ان السلطة الفلسطينية تبدو غائبة عن المشهد، مما يمنح اسرائيل حرية اكبر في التحرك. واشار الى ان الضم الذي يجري حاليا هو ضم عملي يشمل تسجيل الاراضي وبناء المستوطنات في مواقع استراتيجية لعزل الاحياء الفلسطينية، معتبرا ان الادارة الامريكية الحالية توفر غطاء لتأجيل الاعلان الرسمي عن الضم لتفادي الازمات السياسية مع الحلفاء.

ولفتت تقارير دولية، ومنها تقرير مفوض الامم المتحدة لحقوق الانسان، الى ان اسرائيل استغلت الظروف الامنية لتشريد اكثر من 36 الف فلسطيني منذ مطلع العام. واكدت هذه التقارير ان ما يحدث يرقى الى تغيير ديموغرافي خطير، وهو ما دفع الاردن الى التحذير من مغبة هذه السياسات التي تهدد الامن الاقليمي برمته وتنسف حل الدولتين.

قيود صارمة ورقابة غائبة

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش ان اسرائيل فرضت قيودا مشددة على المنظمات الدولية العاملة في الضفة الغربية. واوضحت ان هذه الاجراءات تهدف الى تنفيذ عمليات الهدم والمصادرة بعيدا عن الرقابة الدولية، مما يجعل الفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع سلطات الاحتلال دون اي حماية خارجية.

وبينت التحليلات ان اسرائيل تعمل على تثبيت حقائق على الارض من خلال عمليات هدم ممنهجة للمنشآت الفلسطينية، خاصة في مناطق التماس. واكدت ان هذه الاستراتيجية المزدوجة تضمن تحقيق الاهداف الاستيطانية مع الحفاظ على استمرارية الحرب في الخارج كستار دخاني يحجب الانتهاكات اليومية عن الرأي العام العالمي.

واكدت الخاتمة ان استمرار هذا الزحف الاستيطاني سيؤدي الى زلازل سياسية لن تقتصر تداعياتها على الفلسطينيين فقط، بل ستمتد لتشمل العلاقات الاقليمية والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، مما يضع المجتمع الدولي امام تحدي حقيقي لوقف هذا التغيير القسري للواقع الجغرافي والسياسي.