تحولت شواطئ غزة التي كانت يوما نابضة بالحياة إلى مساحات صامتة تغطيها بقايا قوارب محطمة وشباك ممزقة بعد ان طالتها نيران الحرب المستمرة. لم يعد البحر ملاذا للرزق كما اعتاد الصيادون بل اصبح ساحة للمخاطر حيث تلاحقهم الزوارق الحربية برصاصها وتمنعهم من ممارسة مهنتهم التي توارثوها عن ابائهم واجدادهم. قال الصياد عبد جربوع ان مواسم الصيد انتهت فعليا ولم يعد بمقدورهم تأمين ابسط احتياجاتهم اليومية بعد ان تحولت رحلاتهم البحرية الى محاولات يائسة بالكاد توفر قوت يومهم.

واضاف جربوع موضحا ان اسعار معدات الصيد ارتفعت بشكل جنوني نتيجة منع دخول المواد الاساسية الى القطاع مما جعل صيانتها امرا مستحيلا في ظل الظروف الحالية. وبين ان الصيادين اصبحوا مجردين من ادواتهم البسيطة التي كانت تمكنهم من الصمود امام تحديات المهنة الشاقة. واكد ان الواقع المرير الذي يعيشونه اليوم دفع الكثيرين منهم لهجر البحر والبحث عن بدائل نادرة في ظل انعدام الفرص.

واشار الصياد عاطف ابو ريالة الى ان مهنة الصيد باتت محفوفة بالموت بعد ان فقد زملاء له خلال محاولاتهم الابحار للصيد في المناطق المتاحة. واوضح ان مراكبه تعرضت للتدمير الممنهج ولم يتبق له سوى قارب معطوب لا يستطيع اصلاحه بسبب نقص قطع الغيار والمسامير والمواد العازلة. وشدد على ان غياب ابسط حقوق الصيادين في الابحار بحرية يفاقم من معاناتهم اليومية ويزيد من حدة الفقر الذي ينهش عائلاتهم.

واقع كارثي يهدد مهنة الصيد

وكشف رئيس نقابة الصيادين في غزة نزار عياش ان ما يواجهه الصيادون يمثل خطة مدروسة لإنهاء المهنة بشكل كامل وتحويل العاملين فيها الى فئة منكوبة تعتمد على المساعدات. وبينت الاحصائيات الرسمية ان عدد الشهداء في صفوف الصيادين تجاوز 170 شخصا بينما اصيب العشرات واعتقل آخرون اثناء ممارستهم لعملهم في عرض البحر. واظهرت البيانات ان نسبة تدمير المراكب في مناطق غزة وشمالها بلغت مستويات قياسية تكاد تقضي على اسطول الصيد بالكامل.

واضاف عياش ان البنية التحتية الملحقة بقطاع الصيد من غرف تخزين ومعدات لم تسلم هي الاخرى من عمليات التدمير الواسعة التي طالت مختلف محافظات القطاع. واكد ان نسبة الاضرار في مرافق الصيد بمدينة رفح وصلت الى حد التدمير الشامل بينما تفاوتت النسب في باقي المناطق لتصل الى مستويات مرتفعة جدا. وبين ان فقدان هذه المرافق يعني فقدان الظهير المادي الذي كان يساعد الصيادين على استمرار عملهم في ظل الازمات المتلاحقة.

واوضح ان الازمات امتدت لتشمل المشاريع المجتمعية المساندة مثل مطابخ زوجات الصيادين التي تعرضت للسطو والتدمير مما حرم العائلات من مصدر دخل اضافي كان يعينهم على مواجهة الغلاء. واكد ان قطاع الصيد في غزة بات يعاني من حالة شلل تام في بنيته المادية والبشرية نتيجة الحصار المستمر. واشار الى ان استعادة هذا القطاع لعافيته تتطلب جهودا استثنائية لترميم ما دمرته الحرب وتوفير الحد الادنى من المقومات لضمان بقاء الصيادين في مهنتهم.

تداعيات تدمير البنية التحتية للصيد

واكدت التقارير الميدانية ان نسبة الاضرار في غرف الصيادين بمدينة غزة وخان يونس بلغت نحو 80 بالمئة مما يعكس حجم الاستهداف الذي طال كل ما يمت بصلة لهذه المهنة العريقة. وبينت البيانات ان مناطق الوسطى والشمال شهدت ايضا دمارا واسعا في مرافق تخزين الشباك والمحركات الضرورية لاستمرار العمل. واضاف عياش ان هذه الخسائر ليست مجرد ارقام بل هي تدمير لمصدر رزق آلاف العائلات التي لا تملك اي بديل للعيش الكريم.

واوضح ان مشروع مطبخ زوجات الصيادين في دير البلح كان يمثل نموذجا للتكافل الاجتماعي ودعم الاسر المنتجة لكنه سقط ضحية للسرقة والنهب. واكد ان استهداف هذه المشاريع الصغيرة يهدف بالدرجة الاولى الى كسر ارادة الصمود لدى المجتمع الغزي وتركهم دون اي غطاء اقتصادي. وبين ان الوضع الحالي يتطلب تدخلا عاجلا لحماية ما تبقى من ادوات الصيد وضمان عدم اندثار هذه المهنة التي تمثل جزءا اصيلا من هوية القطاع الساحلية.

وشدد على ان الصيادين في غزة لا يطالبون سوى بحقهم في الابحار والعمل بكرامة بعيدا عن تهديدات الزوارق الحربية التي تتربص بهم. واكد ان استمرار الحصار يمثل العائق الاكبر امام اي محاولة للتعافي او اعادة الاعمار في قطاع الصيد. واضاف ان المستقبل يظل غامضا في ظل غياب اي افق للحل وتصاعد وتيرة التضييق على الصيادين في كافة محافظات القطاع.