يخوض الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان ابو ستة سباقا محموما مع الزمن داخل غرف العمليات في بيروت، محاولا ترميم اجساد اطفال مزقت الغارات الاسرائيلية حياتهم واحلامهم الصغيرة. وتكشف التقارير الصحية الاخيرة في لبنان عن واقع مأساوي، حيث سجلت السلطات ارقاما مفزعة للضحايا من الصغار الذين سقطوا بين قتيل وجريح، وسط انهيار متسارع في المنظومة الطبية التي فقدت عشرات الكوادر واضطرت لاغلاق مرافق حيوية تحت وطأة الاستهداف المباشر.

واظهرت المعاينات الميدانية في المركز الطبي للجامعة الامريكية ببيروت ان وحدة العناية المركزة تستقبل حالات بالغة التعقيد، بينما يقف الاهالي في حالة انتظار مؤلمة امام ابواب غرف العمليات. واوضح ابو ستة خلال استراحة قصيرة بعد جراحة دقيقة لطفلة اصيبت بشظايا في البطن وبتر في القدم، ان طبيعة الاصابات التي يعاينها يوميا تتنوع بين تمزق الاطراف وكسور العظام واصابات الرأس، مما يستدعي سلسلة طويلة من العمليات الجراحية المتتالية لكل طفل.

وبين الطبيب الذي يمتلك خبرة عقود في مناطق النزاع، ان التحدي لا يقتصر على الجراحة فحسب، بل يمتد ليشمل تنظيف الجروح المعقدة وازالة الانسجة الميتة بشكل دوري. واكد ان هناك حالات لثلاث شقيقات تطلبت تدخلا جراحيا كل ثمان واربعين ساعة لضمان بقائهن على قيد الحياة، مشيرا الى ان ملامح الارهاق التي تسيطر عليه لا تضاهي حجم الالم الذي يعيشه هؤلاء الاطفال الذين فقدوا جزءا من اجسادهم في لحظة قصف واحدة.

واقع لا يحتمل وصفه بالارقام

وقال ابو ستة ان معاناة الاطفال في الحروب لا يمكن التأقلم معها، مشددا على ان كل طفل هو كيان مستقل وليس مجرد رقم في سجلات الضحايا. واضاف ان مسيرته الانسانية بدأت منذ عام 1991 خلال حرب الخليج، لتصبح بعد ذلك رسالة حياة حملها معه من غزة الى اليمن والعراق وجنوب لبنان، حيث يرى ان هذه النزاعات تشكل مرضا متوطنا في المنطقة يلتهم براءتهم.

وكشف الطبيب ان ما يشهده لبنان اليوم يشبه الى حد كبير ما عاينه في غزة، واصفا الوضع بانه نسخة مصغرة من المعاناة التي عاشها في القطاع. واشار الى ان استهداف المستشفيات وسيارات الاسعاف جعل من عملية نقل المصابين بين المناطق اللبنانية مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يضطر الطاقم الطبي للتحرك في ساعات النهار فقط لتفادي القصف المباشر الذي يلاحق كل تحرك طبي.

واكد ابو ستة ان التدمير لا يطال الاجساد فحسب بل يمتد ليشمل النسيج الاسري بالكامل، موضحا ان العديد من الاطفال الذين يعالجهم فقدوا عائلاتهم بالكامل. وبين ان تأسيس صندوق غسان ابو ستة للاطفال جاء لضمان استمرارية الرعاية الجسدية والنفسية لهؤلاء الضحايا، خاصة اولئك الذين ينتمون لاوساط فقيرة لا تملك ادنى مقومات التعامل مع تبعات الاعاقة او الفقد بعد انتهاء الحرب.

تحديات الرعاية طويلة الامد

واضاف الطبيب ان التحدي الاكبر يكمن في مرحلة ما بعد المستشفى، متسائلا عن مصير طفل في الرابعة من عمره بترت ساقه وفقد والديه واشقاءه في غارة واحدة. واوضح ان هؤلاء يحتاجون الى متابعة طبية ونفسية مكثفة لسنوات طويلة، وهو امر يصعب توفيره في ظل الظروف الاقتصادية والامنية الراهنة التي يعيشها لبنان.

وتابع ان فقدان اربع مستشفيات رئيسية في الضاحية الجنوبية، بما في ذلك وحدات العناية المركزة المتخصصة، ضاعف من حجم الكارثة الطبية. وشدد على ان الطواقم الطبية تعمل في ظروف قاهرة، حيث يتم استنزاف الموارد المحدودة لمحاولة انقاذ من يمكن انقاذه في ظل استمرار العمليات العسكرية التي لا تفرق بين مدني وعسكري.

واختتم ابو ستة حديثه بالاشارة الى ان استمرار العمل الجراحي هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لمواجهة هذا الواقع المرير، مؤكدا انه سيواصل عمله رغم كل المخاطر. واوضح ان هدفه الاسمى هو منح هؤلاء الاطفال فرصة للحياة، حتى لو كان ذلك يتطلب منه التواجد في اكثر المناطق سخونة ليكون قريبا من جراحهم التي لا تندمل بسهولة.