تستقبل الطفلة غزل الكباريتي البالغة من العمر احد عشر عاما ايام العيد بروح مثقلة بذكريات لا ترحل عن بالها، حيث تلاشت رائحة الكعك الدافئة في غرف النزوح لتحل محلها مرارة الفقد. وتكشف الطفلة التي تعد الناجية الوحيدة من عائلتها بعد غارة استهدفت مكان نزوحهم في حي الرمال بمدينة غزة عن واقعها المرير، موضحة ان العيد بالنسبة لها لم يعد سوى ذكرى باهتة لصوت والديها وضحكات اشقائها الذين قضوا جميعا في قصف وحشي.

واكدت غزل ان العيد لم يعد يعني لها شيئا في غياب من كانوا يمنحونها الشعور بالامان، مبينة ان كل ما تملكه من مال تضطر لانفاقه على توفير لقمة العيش بدلا من الملابس او الحلوى. واضافت الجدة التي تحتضن حفيدتها في ظل ظروف معيشية قاسية انها تشعر بعجز شديد امام حزن الطفلة، مشيرة الى ان اقصى ما يمكنها تقديمه هو محاولة تعويضها بالحنان الذي لا يغني عن وجود الابوين.

وذكرت التقارير الميدانية ان حالة غزل ليست فريدة من نوعها، بل تعكس واقعا مؤلما يعيشه الاف الاطفال في القطاع الذين وجدوا انفسهم فجأة امام مسؤوليات تفوق اعمارهم. واوضحت ان فقدان العائلة في ظل الحرب جعل من العيد مناسبة لاستحضار الالم بدلا من الفرح، في ظل غياب ابسط مقومات الحياة والامان.

واقع مرير لامهات بديلات في غزة

وتحدثت نيبال حلايسة البالغة من العمر سبعة عشر عاما عن تجربتها القاسية في تحمل مسؤولية اخوتها الاربعة بعد استشهاد والديها في قصف استهدف منزلهم بحي الشجاعية. وقالت نيبال انها وجدت نفسها فجأة في دور الام البديلة التي ترعى شؤون المنزل وتلبي احتياجات الاطفال الصغار، موضحة ان كلمة يتيمة باتت واقعا يفرض عليها تحديات يومية لا تنتهي.

وبينت نيبال انها تحاول جاهدة توفير اجواء العيد لاخوتها رغم افتقارها للخبرة في اعداد طقوس المناسبة، مؤكدة انها تضطر لطلب العون من جاراتها في مراكز الايواء لتدبير امور المنزل. واشارت الى ان الحزن يطاردها في كل لحظة، خاصة حينما تجد نفسها وحيدة دون اخوات تشاركهن مشاعرها، مؤكدة ان العائلة لا يمكن تعويضها باي حال من الاحوال.

واضافت ام حسام التي ترعى احفادها اليتامى في الغرفة المجاورة ان الاطفال لا يكفون عن السؤال عن والديهم، مشيرة الى ان بكاءهم عند رؤية مظاهر العيد يمزق قلبها. واوضحت ان شح المساعدات والضيق المعيشي يجعلان من توفير ابسط احتياجات الاطفال امرا مستحيلا، مما يفاقم من معاناتهم النفسية والجسدية.

ارقام صادمة لايتام الحرب

وكشف مدير معهد الامل للايتام في مدينة غزة نضال جرادة ان المعهد يواجه ضغوطا هائلة في ظل تزايد اعداد الايتام بشكل غير مسبوق. واوضح ان المعهد سجل نحو سبعة واربعين الف يتيم جديد منذ بدء الحرب، ليصل اجمالي عدد الايتام في القطاع الى ما بين خمسة وستين وسبعين الف طفل، مما يشكل عبئا يفوق قدرة المؤسسات العاملة.

واكد جرادة ان الاطفال يعيشون تحت ما وصفه بمتلازمة التهديد المستمر، مبينا ان غياب الامان والاحتضان يجعل من طفولتهم رحلة محفوفة بالخوف. واشار الى ان الخدمات المقدمة لم تعد مقتصرة على الايتام فقط، بل باتت تشمل الاسر النازحة باكملها في ظل تكدس الاعداد داخل غرف محدودة المساحة.

وذكر المختصون النفسيون ان فقدان الوالدين معا يقطع حبل الامان لدى الطفل، وهو ما يجعله اكثر عرضة للاضطرابات النفسية ونوبات الغضب. واوضحت الاخصائية صفاء حجازي ان شعور الايتام بالذنب تجاه محاولة الفرح يعد مؤشرا خطيرا على عمق الصدمة، مشددة على اهمية توفير بيئة امنة تساعد الاطفال على تجاوز هذا الواقع المؤلم.