اختارت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الكسو الفنان والمخرج الفلسطيني الراحل محمد بكري ليكون رمزا للثقافة العربية لعام 2026. وجاء هذا القرار ضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة للاحتفاء بالقامات الابداعية التي تركت بصمات واضحة في ميادين الفن والفكر والادب العربي. واظهر هذا الاختيار تقديرا لدور بكري الاستثنائي في نقل معاناة شعبه الى العالم عبر اعمال فنية تجاوزت حدود الترفيه لتصبح وثائق تاريخية حية. واكدت وزارة الثقافة الفلسطينية ان مسيرة بكري تمثل نموذجا للفنان الملتزم الذي جعل من الواقع الفلسطيني مادة خصبة للتأمل والاحتجاج.

وكشفت ردود الفعل الواسعة على هذا التكريم مدى تأثير تجربة بكري التي لم تكن مجرد مهنة بل كانت رسالة انسانية نبيلة. واضاف مراقبون ان الفنان الراحل نجح في تحويل السينما الى مختبر بصري مفتوح يواجه من خلاله سياسات الاحتلال ويكشف انتهاكاته امام المجتمع الدولي. وبينت مسيرته الحافلة ان العمل الفني قادر على ان يكون صوتا للمظلومين ومساحة للتعبير عن مصير الانسان في ظل اقسى الظروف.

واوضح متابعون ان اختيار بكري يحمل دلالات رمزية عميقة خاصة مع استمرار محاولات الاحتلال طمس اعماله مثل فيلم جنين جنين. وشدد هؤلاء على ان الفن بالنسبة لبكري كان ضرورة وجودية تشبه الحاجة للماء والهواء في عالم يضيق بالحقائق. واشاروا الى ان ملاحقاته القضائية لم تزده الا اصرارا على المضي قدما في مشروعه السينمائي الذي ارق الاحتلال لعقود طويلة.

السينما كموقف اخلاقي يتجاوز الترفيه

قال بكري في العديد من محطاته ان السينما ليست مجرد صناعة للتسلية بل هي موقف اخلاقي تجاه القضايا الكبرى. واضاف ان رؤيته الفنية ارتكزت على ان الفن الذي لا يخدم قضية عادلة يفقد جوهره وقيمته الحقيقية. وبين ان اعماله مثل واجب وحيفا وحكاية الجواهر الثلاث لم تكن مجرد افلام بل كانت بيانات بصرية تعكس الوجع الفلسطيني وتنتقد الواقع السياسي بجرأة عالية.

واظهرت تجربة المخرج الراحل قدرة فائقة على الموازنة بين الجماليات السينمائية والرسالة السياسية المباشرة. واكد النقاد ان بكري تجنب الوقوع في فخ الخطاب المباشر عبر الاعتماد على لغة الصورة والاداء العميق الذي يلامس مشاعر المشاهد. واوضحوا ان قدرته على الامساك بتفاصيل الحياة اليومية في فلسطين هي التي جعلت افلامه حاضرة في الذاكرة الجمعية العربية والعالمية.

واضاف العديد من الخبراء ان مشاركة بكري في افلام عالمية مثل هانا ك للمخرج كوستا غافراس ساهمت في ايصال صوت الفلسطيني للعالم. واكدوا ان هذه التجارب اثبتت ان الفن الفلسطيني قادر على المنافسة في ارقى المهرجانات الدولية رغم التضييق. وبين ان هذه الاعمال شكلت جسرا ثقافيا نقل الرواية الفلسطينية الى منصات عالمية لطالما حاول الاحتلال السيطرة على سرديتها.

ارث سينمائي يلهم الاجيال الجديدة

كشفت الاعمال السينمائية لبكري عن جيل جديد من المبدعين الذين استلهموا من تجربته اسلوبا في المقاومة الثقافية. واضاف فنانون ان ارث بكري لم يمت برحيله بل استمر عبر تلاميذه الذين واصلوا البحث في تفاصيل الحياة الفلسطينية وتحويلها الى قصص سينمائية مؤثرة. وبينوا ان روح المقاومة التي طبعت اعماله صارت علامة مسجلة في السينما الفلسطينية المعاصرة.

واكدت التقارير ان المهرجانات الدولية اصبحت اليوم تستقبل الاعمال الفلسطينية بتقدير كبير بفضل الارضية التي مهدها بكري طوال مسيرته. واضاف المهتمون بالشان الثقافي ان استمرارية هذا الحضور السينمائي تعود الى الصدق الذي حمله بكري في كل دور اداه. واوضحوا ان التكريم الحالي هو استمرار طبيعي لمسيرة فنان احترق كالشمعة ليضيء طريق الحرية للاجيال القادمة.

وبين ان بكري جمع بين التمثيل والاخراج في تناغم فريد مكنه من التحكم في ادق تفاصيل رسالته الابداعية. واضاف ان انتقاله الى كرسي الاخراج كان قرارا واعيا لضمان وصول صوته دون وسيط. واكد في الختام ان هذا التكريم يمثل اعترافا عربيا شاملا بقامة فنية وضعت فلسطين في قلب الثقافة العالمية وجعلت من السينما سلاحا لا يصدأ في وجه القمع.